
بقلم : مليكة حميحم
أخدت حليمة تعد حقيبة مولودها
السابع وهي ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها ، فهذه المرة ليست كسابقاتها ،هذه المرة تتصارعها هواجس وتتقادفها افكار متناقضة ،مشفقة، آملة حالمة ،متشائمة ،متفاءلة ، انها رحلة ليست ككل رحلاتها قد تكون آخر مرة ترى منزلها الذي شهد فرحتها الأولى شهد كل حياتها الزوجية التي تمر داخل حقيبتها شريطا سينمائيا أوشكت حلقته الأخيرة على النهاية ،
ولكن لا أحد يعرف كيف سبكتبها القدر .
حليمة عاشت حياة سعيدة مع زوجها السي أحمد دامت لأكثر من عقدين ، حياة أصبحت اليوم على كف عفريت بسبب أنها إمرأة لا تلد الا البنات أو الطفلات كما تعايرها دوما حماتها قائلة : حتى أصغر عامل عند ابني المقاول أنجبت له زوجته طفل او طفلين بعكس إبني الذي حرم من خلفة الذكر .!!!! وكأن الزوجة هي من تقرر جنس المولود أو كأنها المسؤولة عن ذلك.
خارج الغرفة كانت أمها الحزينة وحماتها المتربصة تنتظران خروجها للذهاب إلى المستشفى الذي تلذ فيه دائما ولكن هذه المرة سيكون فيه تقرير المصير فأما الذكر او سترجع إلى منزل أمها لأن السي أحمد عازم على الزواج فقدطال صبره ولابد له من زوجة جديدة تلد له الذكر .
كل هذه الأفكار تراود حليمة فقد ارسلت بناتها إلى منزل أمها لسببين أولا لتواجه مصيرها وحدها و وثانيا لأنها تشفق عليهن من هذه المواقف الاليمة .
خرجت من الغرفة فأخدت منها أمها الحقيبة وامسكت بيدها تساندها وتقويها فقد كانت السيارة في انتظارهن ،تبعتها إحدى الجارات التي كانت تراقب الوضع فودعتها ودعت لها بالعزري والبشرى السعيدة وأكدت لها بأنها تحمل ذكرا لأنها تعرف ذلك من شكل البطن ومن إشراقة الوجه لأن الذكر يعطي لأمه الإشراقة والجمال بعكس الأنثى، كانت الجارة تقول كل هذا بثقة الخبيرةالعالمة بأمور الحياة.
كان موضوع حليمة معروف عند الاقارب وحتى الجيران بين مشفق ومتشفي فقدكانت أغلب نساء الحي يطلبن من الله ان تنتصر حليمة وترزق بولد ضدا في حماتها وحبا في حليمة الصبورة الدمثة الأخلاق ، وقد كان هذا الموضوع موضوع نقاش في كل منزل من حينا لاينافسها الا موضوع جميلة زوجة علي الساكنة قبالة منزل حليمة بالضبط ، جميلة هي الأخرى تحمل جبلا من الهم والغم .
فحكاية جميلة هي الجارة الجديدة التي زفت لابن خالها في هذا المنزل الانيق مثلها ، وكان لجميلة نصيب كبير من اسمها كانت باهرة الجمال جميلة الروح جميلة في خجلها وبراءتها لا تراها إلا مبتسمة بشوشة لايكاد يسمع صوتها وسبحان الله الطيبون للطيبات وقد كان زوجها مثلها أحبه سكان الحي منذ يومه الأول ، يتكلم مع الجميع يقدم المساعدة واندمج مع الكل وكأنه ولد معهم .
بعد شهر واحد من مجيئهما للحي عرفت فاطمة الفضولية بأن جميلة حامل فنشرت الخبر بسرعة النار في الهشيم وتسارعت نساء الحي بالتبريكات وإعطاء النصائح والتجارب لجميلة التي كانت تتقبل كل هذا بحياء وسرور.
وفرحت نساء الحي لانهن سيحضرن أكيد حفل السبوع بعد ان ضاعت عليهن حفلة الزفاف ، ولكن تجري الامور بما لا تشتهي النفوس فقد وقع خبر مرض زوج جميلة بالمرض الخبيت كالصاعقة على الحي بأكمله ،و نزلت على المنزل السعيد الكآبة والألم وتغيرت حياتهما الرتيبة من الهدوء إلى الجري في المستشفيات و رحلة شاقة من العلاج ، وبدأ جسم علي يتساقم يوما بعد يوم حتى اخبرهم الطبيب بأخده لمنزله ليكون بذلك قد وضع الفصل الاخير في قصة حياته القصيرة تاركا زوجة في عمر الزهور ومولود سيأخذ حسرة اليتم مبكرا ، ولكن هذا أمر الله يمشي على الجميع.
كانت جنازة علي جنازة حزينة ودعه أهل الحي وكأنه عاش بينهم زمن طويلا ، ذهبت معه فرحة وامال جميلة وتبخرت كل أحلامها في شهور وجيزة .
جاءت ام جميلةلتسكن مع ابنتها ولتساعدها في حملها المضني وبدأت الوشوشات عن مصير جميلة بعد علي ، ووششت لها بعض النسوة بأن مستقبلها مرهون بجنس المولود فلو كان ولدا فستأخد كل شيء ولن يتغير شيء اما اذا كانت أنثى
فستتغير حياتها كليا ،وأصبح كل من يلتقي بها يطلب لها الذكر وكانت المسكينة تقول لهم لااريد الا الفكاك والصورة مكمولة ، اصبحت حليمة وجميلة موضوع نساء الحومة و شغلهن الشاغل بل اصبحتا قضية رأي عام كل الحي .
ومن سخرية القدر او لعل القدر أراد أن يكتب هذا السيناريو الماتع لكل المتتبعين جعل هذا اليوم يوما مشهودا تخرج جميلة من بيتها لتلد مولودها وفي نفس الوقت تتجه جميلة لتضع هي الأخرى مولودها اول ليضعان معا حملا مضنيا كأن مدته تسعة سنين وليس تسعة أشهر.
اليوم ولله الحمد أصبحت معرفة نوعية الجنين تعرف في الشهر الثالت فترتاح الأنفس على الاقل من التوتر والترقب وليس كالأمس .
دخلت حليمة غرفة الولادة رقم ٣ وقد أحست بشيء من الارتياح لأن ساعة الوضع اقتربت كن او لا تكون استقبلتها الممرضة وطلبت منها أن تتهيأ لكي تفحصها ،كانت الممرضة رقيقة تعاملها بكل حب و لطافة وقالت لها بأن الأمور بخير وبأن ساعة الولادة اقتربت ،ادخلتها لغرفة الولادة وجهزتها ونادت عل الطبيبة بعد ساعة كاملة من المخاض وامها وحماتها وزوجها يصارعان ألام الانتظار ولهفة الخبر وفجأة سمعوا صرخة الأولى للمولود صرخة لايعرفها احد هل هي صرخة فرح ام صرخة حزن .انتظروا أمام باب البلوك لا يعرفون ماذا كان يجري داخله .
بعد ان سمعت حليمة صرخة طفلها انتابتها مشاعر متناقضةمن الخوف والهلع في لحظة دقيقة انتظرتها دهرا واسترعى انتباهها تهامس الطبيبة والممرضات ونظرات غريبة حزينة مشفقة اتجاهها فعرفت بأن المولود أنثى فصاحت بالدكتورة لقد عرفت انها أنثى وكررتها بيأس اذن انها أنثى !!!!! لم تجبها الدكتورة ولا الممرضات وبقيت نفس العلامات مرسومة على وجوههن فصاحت مرة أخرى ماذا هناك لم يعد يهمني الان شيئا نادوا على زوجي وقولوا له الخبر وبالفعل هذا مافعلت الدكتورة فدخل الزوج وأمه وأمها وأخدتهما الدكتورة ناحية المولود الجديد لا أحد منهم نظر ناحيتها وكانت حليمة رغم تعبها تراقب الموقف وقد توقف عقلها عن التفكير لماذا الكل متسمر أمام سرير المولود، كل هذا وعقلها يسابق قلبها في الدقات ولكنها رجحت بأن المولود أنثى مما أنزل عليها السكينة والهدوء وأصبح فؤادها افرغ من فؤاد ام موسى ،مرت كل هذه الاحدات وكأنها شريطا سينمائيا غامضا ،و إزداد ذهولها عندما رأت زوجها يتقدم نحوها والحزن والدموع يملأن محياه
قبل رأسها وبدأ يتحدت وكانه يكلم نفسه لقد من الله علينا بمولودة جميلة سنسميها هبة لأنها فعلا هبة من الله الحمدلله والشكر لله على نعمه ثم قال وكأنه يخاطب نفسه سبحانك اني كنت من الظالمين ،تبخر خوفها وتملكتها الدهشة من هذا التحول الغريب من طرف زوجها بعد كل التهديدات والغضب الذي كان يتملكه بعد كل ولادة أصبح وكأنه إنسان آخر سبحان مغير الاحوال .
أعطتها الممرضة الصغيرة وهي تنظر اليها بتوجس وطلبت منها ان ترضعها ،إحتظنت حليمة ابنتها ونظرت اليها كانت جميلة جدا بل أجمل مولودة رأتها ، ساعدتها الممرضة من أجل ارضاعها أمام نظرات حزينة من أمها وحماتها وزوجها مما أذخل الشك في قلبها فأخدت تتحسس الطفلة وعقلها يسابق دقات قلبها
ولم تبقى حيرتها طويلة إذ سرعان ما وجدت بان الطفلة لها رجل واحدة ، أغمي عليها في الحال بعد أن أن عرفت سر هذا التحول العجيب من زوجها الذي فهم رسالة الله إليه وكانت أبلغ رد على جهله وجبروته مؤمنا أن أقصى مايطلب الانسان السلامة والصورة مكمولة كما تقول العامة دائما .
في هذا الوقت كانت جميلة تضع حلما احتضنته طويلا خائفة مشفقة لا تشعر بألم المخاض بقدر ألم الانتظار وكانت الصرخة الأولى التي انتظرها الجميع صرخة الخلاص ، وجاء الخبر الذي نزل على جميلة بردا وسلاما استسلمت بعده لنوم كانت محرومة منه وقتا طويلا حامدة شاكرة الحمد لله جاء الذكر وجاء معه الأمن والأمان .
فتحت عينيها فوجدت الخال وهو يحمل إبنها و يأذن في اذنه قائلا سميتك عوض وفيك عوضي عن ابني وسأكون إن شاء الله لك جدا وابا وحارسا امينا .