حوار : الفلسفة في قلب التحولات التربوية – مع عبد الصمد أحيدار.

منذ 36 دقيقة

حاورته أمينة بنونة

يشكل هذا الحوار مناسبة للتفكير في إحدى أكثر القضايا إلحاحا في المجتمع المغربي، وهي قضية التربية والتعليم، وما يرتبط بها من رهانات الإصلاح، وتحديات المدرسة العمومية، ومستقبل تدريس الفلسفة في ظل التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة. فمن خلال هذا الحوار، يقدم الأستاذ عبد الصمد أحيدار، مفتش منسق مادة الفلسفة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، رؤية نقدية تستند إلى خبرته الميدانية وتكوينه الأكاديمي، لتشخيص واقع المنظومة التربوية المغربية، والكشف عن أبرز الإكراهات التي تعترضها، مع اقتراح مداخل عملية لتجاوزها.

المحور الر ابع: المستقبل والتحديات
13) – كيف ترون مستقبل تدريس الفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ج – تجدر الإشارة إلى أن الفلسفة قد ارتبطت تاريخيا بالفكر البشري. إنها (الفلسفة) ذات حمولة فكرية بامتياز؛ بحيث إنها تمثل ذلك الفكر الرصين والمنسجم والمتسق منطقيا، والذي يتغيى الإقناع انطلاقا من أنه فكر حجاجي وحواري قبل أن يكون شيئا آخرا.
معنى هذا الكلام هو أنه عندما نتحدث عن الفلسفة نكون نتحدث عن الإنسان المفكر، عن الإنسان العاقل. فمنذ عصر اليونان القديمة (القرن السادس إلى القرن الرابع قبل الميلاد)، وهناك من يربط الفلسفة بالحضارات الشرقية القديمة (الصينية والهندية والفارسية والمصرية) التي سادت قبل عصر اليونان، منذ هذا الزمن البعيد في التاريخ إلى الآن، والإنسان لم يتوقف عن التفكير: فرغم التحولات الكبرى التي حدثت وفي كل مجالات الحياة، بقي الإنسان إلى يومنا هذا يطرح أسئلة ( يفكر) حول وجوده (الهوية البشرية؛ أي حول الأصل والانتماء والعرق…) وحول قيمه ( الخير، الجمال، الحب، العدالة، الحق …) وحول المعرفة: ما المعرفة اليقينية؟ وما النظرية العلمية؟( إنتاج نظريات علمية سواء كانت تتعلق هذه النظريات بمجال الطبيعة الخارجية أو كانت تتعلق بباقي الكائنات الأخرى أو كانت علوما اجتماعية وإنسانية تعنى بالفهم والتحليل به كفرد أو كمجتمع أو كشعوب لها ما يوحدها فيما بينها، ولها ما يمايزها حضاريا ودينيا وثقافيا ولغويا.
وطرح الأسئلة لدى الإنسان يعني أول ما يعنيه إعلانه أنه يفكر. وفعل التفكير/ التفلسف هو فعل عقلي يحاول الاسترشاد بفكر الفلاسفة؛ أي بالفلسفة: فهناك علاقة تفاعلية كبيرة بين الفلسفة والتفلسف، بين الفكر والتفكير.
ولهذا نجد أن المفاهيم الكبرى ( الحب، الجمال، العدالة، الخير …) التي اشتغلت عليها الفلسفة بقيت هي هي. إن الذي تغير هو الأجوبة حول هذه الأسئلة الفلسفية؛ بحيث إننا نجد كل فيلسوف إلا وقد قدم تصورا أو أطروحة فلسفية خاصة به.
والجواب عن السؤال: كيف يمكن أن يكون مستقبل تدريس الفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي هو أنه بما أن الفلسفة قد صمدت واستمرت مع طول هذا المسار الزمني، والتي هي بالآلاف السنين على اعتبار أن صاحبها (الإنسان) هو كائن يفكر، فنفس الشيء يمكن قوله عن عصر الذكاء الاصطناعي؛ لنتذكر ، فقط ها هنا، النزعة الوضعية ( Le positivisme) التي أسسها أوجست كونت في القرن 19 ، الذي عمل على استبعاد كل فكر ميتافيزيقي، وآمن فقط بكل ما نتوصل إليه عن طريق المختبر والتجربة العلمية . فرغم التقدم العلمي ورغم التطور التكنولوجي الكبير بقيت وصمدت الفلسفة كفكر بشري، لأنه هناك أسئلة لم تقدر العلوم الإجابة عنها طبعا.
لكن تجدر الإشارة إلى أنه، لكي تبقى الفلسفة حية وذات فاعلية، على الدرس الفلسفي أن يغير الكثير من عاداته. وأكاد أقول لابد وأن يغير الدرس الفلسفي من طبيعته حتى يواكب هذا العصر الذي يشهد تحولا كبيرا وبسرعة زمنية قياسية !
ولكي يؤدي الدرس الفلسفي رسالته ومهمته يتوجب على صاحبه ( أستاذ الفلسفة) أن يخلق جسورا وتفاعلا بين الفلسفة وبين باقي المعارف الأخرى كالعلوم المعرفية والتقنيات التكنولوجية الحديثة بما فيها الذكاء الاصطناعي. بمعنى آخر لا يعني هذا أن يبقى أستاذ الفلسفة مجرد مستهلك سلبي لما يقدمه الذكاء الاصطناعي في إبداعه لخوارزميات جديدة ومتطورة، وإنما أن تكون له الكفاية على تطويع ما ينتجه الذكاء الاصطناعي لاستثماره وتوظيفه التوظيف الإبداعي والنقدي لخدمة الدرس الفلسفي خصوصا على مستوى التخلي وبشكل نهائي للطريقة التقليدية في بناء الدرس التي يكون فيها الأستاذ هو محور العملية التربوية والتعليمية، وتبني الطريقة الحوارية والتفاعلية مع التنويع من الدعامات البيداغوجية التي كنا قد أشرنا إليها في هذا الحوار سابقا، ومع تشجيع المتعلمين على البحث والاكتشاف بواسطة لا الذكاء الاصطناعي ولا بواسطة التقنيات التكنولوجية الحديثة الأخرى.
مختصر القول أقول: إنه كل ما كان أستاذ الفلسفة متمكنا أولا من المضمون المعرفي للمادة ومن المستوى المنهجي (التدريسية)، وثانيا كان مطلعا على العلوم المعرفية، وخاصة في مجالات وحقول علم النفس المعرفي، ومن تملكه للوسائل التكنولوجيا الحديثة، استطاع أن يجعل الذكاء الاصطناعي عاملا (facteur) مساعدا له بشكل جيد في بناء الدرس الفلسفي بمعية تلامذته.

14 ) – هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون داعما لتدريس الفلسفة أم منافسا لها؟
ج – إن مستقبل تدريس الفلسفة هو رهين بمجموعة من الشروط أولاها هي مدى توفر لدى الدولة والمجتمع لإرادة في التجاوز والقطع مع الشرط البشري الذي يكون فيه الإنسان/الفرد سلبيا ومجرد كائن تمارس عليه الوصاية إلى الانتقال إلى ذلك الإنسان/ المواطن الذي تحدث عنه الفيلسوف كانط في مقالته الشهيرة ” ما التنوير؟” (مواطن حر ومسؤول وصاحب إرادة مستقلة، ويحتكم إلى العقل والمنطق وما يقتضيه ضميره الأخلاقي …)، وثانيا لابد من العناية والاهتمام بمسألة التربية والتعليم من حيث التكوين الأساس والمستمر بشكل رصين ومثين ومتجدد لكل الفاعلين التربويين الذين لديهم صلة مباشرة بالمؤسسة التعليمية من هيئة التدريس وهيئة التدبير الإداري والتربوي وهيئة التأطير والمراقبة والتقييم التربوي مع التجديد والتقييم للمناهج والبرامج التعليمية وبشكل دوري ومستمر.
كجواب عن السؤال، وبكل بساطة، يمكن في نظري تقديم الجواب التالي من خلال طرح هذا السؤال الذي هو: متى يكون الذكاء الاصطناعي داعما للدرس الفلسفي؟ ومتى يكون ليس فقط منافسا له، وإنما مقصيا ويجعله غير ذي معنى؟
– يكون الذكاء الاصطناعي ، في تقديري الشخصي، مساعدا في بناء الدرس الفلسفي عندما يكون الأستاذ واعيا بمدى توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة بما فيها الذكاء الاصطناعي التوظيف المناسب والإجرائي، ويكون أيضا متمكنا نظريا ومهاريا من استخدام كل ما يوفره الذكاء الاصطناعي من اقتصاد في الزمن ومن عمليات أخرى سواء تعلق الأمر بتجميع وتصنيف الأفكار والمعارف والبيانات ومن توفير دعامات بيداغوجية بمختلف أنواعها ( وثيقة تاريخية، وثيقة سمعية بصرية وغيرهما) عند بنائه للدرس الفلسفي.

15)- ما المهارات الفكرية التي ينبغي أن يكتسبها متعلم الفلسفة في المستقبل؟
ج – إلى جانب أن متعلم الفلسفة هو كائن متفلسف؛ أي إنه متعلم لآليات التفكير بالطريقة التي أنتج بها الفلاسفة فلسفاتهم/ فكرهم، فلابد له من أن يتعلم ويتدرب على مجموعة من المهارات الأخرى، خاصة في وقتنا هذا الذي يشهد تحولات كبرى وبسرعة فائقة. معنى هذا الكلام هو أنه إلى جانب اكتساب متعلم اليوم من الدرس الفلسفي مجموعة من المهارات ذات الطبيعة الفلسفية كالشك والقدرة على طرح التساؤل الفلسفي ذي الطبيعة النظرية والإشكالية التي تتأسس على المفارقات أو على التقابلات( الإحراج المعرفي)، واكتسابه لمهارة التحليل والحجاج والحوار والتركيب والنقد وتقديم الرأي الشخصي، والخروج بتصور نسبي حول الإشكالية المركزية التي يثيرها مفهوم فلسفي ما، عليه أيضا أن يعيش عصره الذي يتصف بكونه عصرا يقوم على ما هو افتراضي ورقمي ذي طبيعة تكنولوجية جد متطورة.
من هنا يتضح أن مهمة متعلم الفلسفة هي مهمة مزدوجة تتوزع بين الأخذ بما تقدمه الفلسفة من خصائص تجعلها متميزة ومتمايزة مقارنة بالمواد الدراسية الأخرى؛ أي أن لها خصوصيتها الفكرية واللغوية المفاهيمية، وبين الأخذ بما يقدمه الذكاء الاصطناعي والتقنيات التكنولوجية الحديثة الأخرى من وسائل مساعدة في الضبط والتنظيم للتصورات الفلسفية.
إن هذه الإمكانية لا تتوقف فقط على متعلم الفلسفة، وإنما يكون لأستاذ الفلسفة دور بالغ الأهمية أيضا. إن دور الأستاذ، في هذا الإطار، يتمثل في تمهيره للمتعلمين التمهير الجيد والفعال في مختلف العمليات التي يتأسس عليها الدرس الفلسفي من مفهمة وأشكلة ومحاججة وغيرها من العمليات العقلية المركبة التي يتوقف عليها الدرس الفلسفي.
16)- ما الرسالة التي توجهونها إلى أساتذة الفلسفة الشباب؟
ج- الرسالة التي يمكن لي أن أوجهها إلى أساتذة الفلسفة بصفة عامة، وليس فقط إلى الشباب منهم، هي رسالة تطبعها المحبة والتقدير والاعتراف بالمجهودات التي يبذلونها مع تلامذتهم في فصولهم الدراسية وخارجها من خلال التنشيط في الأندية التربوية (الحياة المدرسية)، وخاصة في الأندية التي تعنى بالتربية على المواطنة وحقوق الإنسان.
أقول هذا الكلام وأنا أعرف، عبر المعاينة الميدانية، أنهم في الكثير من الأحيان يشتغلون تحت ظروف صعبة فيها الكثير من التحديات والإكراهات، وفي غياب التحفيز على الاجتهاد والإبداع.
وهذه الإكراهات يمكن تصنيفها إلى:
– إكراهات ذات بعد ذاتي مرتبطة بمدى التكوين المثين في التخصص(الفلسفة) وفي منهجية التدريس، والذي يمكن الرجوع به إلى المرحلة الجامعية وإلى مرحلة التدريب بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والتي تقسم إلى مستويين: – مستوى التكوين الأساس في السنة الأولى من التدريب ؛ ومستوى التكوين المستمر في السنة الثانية عند تحمل مسؤولية القسم، والتي تعقبها الكفاءة التربوية(الترسيم). يمكن أن أضيف بالنسبة لهذا البعد الذاتي مدى الاستعداد الشخصي لأستاذ الفلسفة في الذهاب قدما نحو اكتساب مهارات وامتلاك كفايات التدريس في مختلف تجلياتها من معرفة وديداكتيك وتواصل ومن انفتاح على العلوم المعرفية، وخاصة على علم النفس المعرفي، ومن انخراطه بشكل إيجابي في عصره عبر تمكنه من التقنيات التكنولوجية الحديثة في التدريس، اعتمادا على الرؤية التبصرية لأدائه المهني، وعلى تكوين ذاتي ومستمر، ومن استلهامه للتجارب الناجحة لزملائه.
بكلمة واحدة لابد من أن يكون للأستاذ مشروع شخصي يعمل بمقتضاه على أجرأة السيناريوهات والبرامج التي تؤهله عبر مساره المهني من أن يكون أستاذا ناجحا ومتميزا .
– إكراهات ذات بعد موضوعي تكمن معالمها الكبرى في هذا التحول، للأسف، في الاتجاه السلبي للمكانة المادية والاعتبارية التي نجدها لدى الأستاذ راهنا. لقد حصل تقهقر في التراتبية الآجتماعية لهيئة التدريس من الناحية المادية داخل المجتمع من جهة، فبالرجوع إلى تقرير الهيئة الدستورية ذات الطبيعة الاستشارية والمتمثلة في المجلس الأعلى للتربية والتكوين نجده أ يقر بهذا المعطى. ومن الناحية الاعتبارية والاجتماعية فقد تغيرت نظرة المجتمع إلى الأستاذ في الاتجاه السلبي طبعا ! إننا على هذا المستوى نعيش مفارقة غريبة: فمن جهة على المستوى النظري نقر بقيمة وبمدى حاجة المجتمع إلى الأستاذ لأن موضوع التربية والتعليم يشكل أولوية الأولويات، وبواسطته تتقدم المجتمعات على كل المستويات ( ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا … إلخ)، أما من جهة ثانية على مستوى الواقع العملي يعيش هذا الأستاذ تهميشا وفقرا، إذا تمت مقارنة وظيفة التربية والتعليم بباقي الوظائف الأخرى داخل إدارات ومؤسسات الدولة ! وهذا الوضع السلبي يجعل مهنة التربية والتعليم غير جذابة، ولا تستقطب أو لا تغري أصحاب الكفاءات المتميزة مقارنة بمهنة الطب والهندسة مثلا !
لذا فقد آن الأوان، وخاصة إذا أردنا فعلا أن نجعل من التربية والتعليم رهانا لكل تقدم مجتمعي أن نولي للأستاذ ما يستحقه من عناية واهتمام. إن جودة التعليم ببلادنا رهينة بتجويد شروط عمل الأستاذ ماديا ومعنويا.
أما الرسالة التي أود أن أوجهها إلي أساتذة الفلسفة الشباب فهي أنني أدعهوهم إلى الجد في العمل بكل روح مهنية عالية، وإلى الإخلاص فيه عبر الاجتهاد الفردي والجماعي من خلال ر تشكيل مجموعات عمل وفرق البحث التربوي، وجعل روح التعاون بينهم تقليدا مستمرا ودائما. فرغم كل هذه الإكراهات التي تمت الإشارة إليها أعلاه، وغيرها كثير، فإذا تم استحضار الضمير المهني وتم التسلح بروح التكوين الذاتي والمستمر، والنظر إلى الشأن التربوي والتعليمي بنظرة تطبعها الغيرة على التلاميذ والمصلحة العليا للوطن نكون، مع توفير تلك الشروط التي أتينا على ذكر البعض منها، على السكة السليمة والصحيحة. وفي الأخير أطمح إلى أن تتكثل الجهود للرفع من شأن التربية والتعليم الذي عماد لكل تقدم للبلاد والعباد.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading