الهجرة نصيب …والدنيا أرزاق.

منذ 3 ساعات

بقلم : أسماء التمالح

جئنا إلى الدنيا عراة فكسانا رب العالمين وأطعمنا ومازال ربنا يحيطنا بعنايته وينعم علينا بفضله وكرمه، بعضنا راض قنوع بما يملك وبما في يديه، وبعضنا الآخر عيونه على ما يملك الغير، ودائما يعيش في دوامة المقارنات بينه وبين هذا الغير، لا يركز أبدا فيما حباه الله من نعم وفيما أعطاه ويطوره للأفضل، بقدر ما يركز فيما ليس له فيه نصيب ويحاول جاهدا ٱمتلاكه حتى لو أدى الأمر إلى سلك طرق غير سليمة ومنافية للأخلاق والنظام العام والضوابط الإنسانية المعمول بها، إذ الغاية عند هذا الصنف البشري تبرر الوسيلة، والوصول إلى الهدف المرجو لابد أن يتحقق حتى ولو كلفه الحياة، المهم عنده أن يساوي بينه وبين الباقي وإن ٱختلفوا عنه في العديد من الأشياء.
لو كانت الأرزاق تتشابه لكان الناس يعيشون جميعا على منوال واحد، ويخضعون لمنهج حياة موحد، ماكان هناك فقراء وأغنياء، موظفون وعمال وحرفيون، عاطلون وذوو ٱحتياج خاص وغيره، كانت التشعبات الموجودة ستنحصر في نقطة واحدة، بظروف عامة واحدة، ونمط عيش واحد، ورؤية واحدة، وحلم واحد، وتفكير واحد … إلخ، غير أن الإختلاف رحمة، أفسح المجال للخلق بأن يكونوا أنفسهم، يعبرون عنها، ويحققون ذواتهم من منطلق هذا الإختلاف، يجدون ويكدون ويقولون للعالم أجمع هاهم نحن، من رحم كذا وكذا خرجنا وأتيناكم، لا قعدنا متقاعسين نتابع من الخلف حياة الغير ونمني النفس أن تكون نسخة مقلدة منهم دون أي جهد مبذول أو سعي مشكور.
لا راحة في الدنيا، فهي دار عمل وشقاء منذ بدايتها، ومن يظن الخلاص من العذاب والتعب في أرض من أراضيها فهو واهم، إنها تجري أكثر كلما جرى خلفها الأقوام وحاولوا الإمساك بها وبملذاتها، تضحك من لهثهم على بريقها الخادع، تأخذ منهم ما يملكون وترمي بهم في أحضان ماليس في ملكهم، تغويهم وتتبرأ منهم، تجذبهم وتتخلص منهم في آخر الطريق وهي تهوي بهم من القمة إلى الأسفل فلا يستيقظون إلا على السراب.
لا يمكن بتاتا لأي إنسان أن يسقط تفاصيل حياة الآخرين على نفسه، حسبه أنه جاء للدنيا وحيدا وسيغادرها وحيدا، يكفي أن ملامح وجهه تختلف عن ملامح غيره، وبصمات أصابع كفه ليست هي نفسها بصمات الآخرين، فكيف إذن يسخر حواسه ومشاعره وقدراته لأن يكون ٱستنساخا لمن سواه.
إن هجرة الأوطان التي باتت تسكن عقول الناس وتقض مضاجعهم لا تعني أن كل من هاجروا سيلقون نفس المصير، لا تحيل إلى أن كل من غادروا خارج البلد الأم قد انتقلوا إلى جنان الرحمان وينعمون بالسعادة والحياة المثالية التي لا عناء فيها ولا حزن، بل الحقيقة عكس ذلك وقد تزيدهم الغربة حدة و البعد حرقة.
ليست الهجرة ترفا كما يعتقد الكثيرون، إنما هي نصيب، وحيث أنها كذلك فقد صار لزاما أن يرضى الناس بأرزاقهم ويقنعون بما يملكون، ولا يلقون بأنفسهم للهلاك وهم يسلمون أرواحهم لأمواج البحر التي ربما تقبلهم وتوصلهم لبر الأمان، أو تلفظهم فتكون هجرتهم أبدية إلى الدار الخالدة عوض هجرة مؤقتة للضفاف الأخرى.
لعل صناعة الذات تبدأ من النقطة الأولى التي ٱنطلق منها الإنسان في الحياة، وليس من نقطة النهاية التي وضع بها حدا لسلامته وٱستقراره وأمنه وقد ٱسودت الدنيا في وجهه وٱستوى الموت والحياة أمام عينيه.
البحث عن الكرامة تقود إليه الكرامة عينها، وشتان بين أن يدخل المرء بلدا غير بلده وهو مرفوع الرأس باوراق ثبوتية وطريقة قانونية وبين متسلل مهان مفتقد لهوية شخصية تحدد كينونته. أما كسب الماديات فذاك يأتي بالجهد الكبير المبذول وقوة التحمل والصبر، لا تمطره السماء سخاء، لأن الدنيا بكل بساطة دار ٱشتغال وعمل وٱبتلاءات، وما فوق بساطها فان ولو بعد حين، ويا ليت الناس يفهمونها بالشكل السليم ليعيشوا الحياة متصالحين مع واقعهم، راضين بقسمتهم، حامدين شاكرين أفضال الله تعالى عليهم.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading