
حاورته أمينة بنونة
يشكل هذا الحوار مناسبة للتفكير في إحدى أكثر القضايا إلحاحا في المجتمع المغربي، وهي قضية التربية والتعليم، وما يرتبط بها من رهانات الإصلاح، وتحديات المدرسة العمومية، ومستقبل تدريس الفلسفة في ظل التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة. فمن خلال هذا الحوار، يقدم الأستاذ عبد الصمد أحيدار، مفتش منسق مادة الفلسفة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، رؤية نقدية تستند إلى خبرته الميدانية وتكوينه الأكاديمي، لتشخيص واقع المنظومة التربوية المغربية، والكشف عن أبرز الإكراهات التي تعترضها، مع اقتراح مداخل عملية لتجاوزها.
1- كيف تقيمون واقع منظومة التعليم المغربية اليوم؟ وما هي أبرز الإكراهات التي تعيق تحقيق الجودة؟
ج- في الحقيقة، إن إصدار حكم على طبيعة المنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب راهنًا لا يمكن أن يستقيم إلا بالرجوع إلى أهم المحطات الكبرى التي قطعتها منذ تأسيسها ونشأتها، فلعل التاريخ سيفيدنا في فهم راهن وواقع الشأن التربوي والتعليمي ببلادنا. وطبعا، دون الوقوف عند الحيثيات والسياقات بشيء من التفصيل، والتي أدت بمنظومة التربية والتكوين إلى ما هي عليه حاليا، أود القول إن المغرب، في حقيقة الأمر، لم يشهد إصلاحا جذريا على مستوى البعد التربوي والتعليمي، وإنما يمكن القول إنه عرف محاولاتٍ في الإصلاح فقط، فكل محاولةٍ في الإصلاح تأتي بعدها محاولةٌ أخرى، دون أن يتم إجراء تقييم للأولى، ودون أن يحصل هناك نوع من التعاقب المنطقي في مسار التطور المستمر للنماذج التربوية والتعليمية.
معنى هذا الكلام هو أن التربية والتعليم بالمغرب، على مستوى الاختيارات البيداغوجية، وعلى مستوى السياسة التعليمية، لا يحصلان انطلاقا من تطور وتجاوز منطقي وطبيعي، وإنما يخضع هذا الأمر لتعاقب الحكومات، إذ تأتي كل حكومة لتلغي المشاريع والنماذج البيداغوجية السابقة، دون أن يتم الانتهاء منها، وتبدأ في مشاريع جديدة، إما لظرف خاص، وإما نتيجة إكراهات داخلية وخارجية (كالمديونية مثلا). وحتى يكون لهذا الكلام معنى، يمكن إعطاء المثال التالي: تم، في لحظة معينة، تبني المقاربة البيداغوجية المعتمدة على الأهداف (بيداغوجيا الأهداف)، ودون إجراء تقييم شامل لهذه المقاربة، تم التخلي عنها فجأة، وتم تبني مقاربة جديدة، وهي المقاربة بالكفايات، علما أنه بين الأولى والثانية امتدادات وتقاطعات كبيرة، ذلك لأنه لا يمكن بلوغ أو امتلاك كفاية من الكفايات دون وضع الأهداف.
مختصر القول: إن المنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب هي منظومة تعيش مفارقات كبيرة، الشيء الذي يجعل أداءها نسبيًا ومحدودًا:
فمن جهة، نلاحظ نماذج تربوية وتعليمية غير منسجمة وغير مكافئة؛ فهناك تعليم عمومي موجه لأبناء وبنات الشعب المغربي. وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في إطار إصلاحه، فإنه يعيش إكراهات كبيرة جدًا، كواقع الاكتظاظ، وطبيعة التكوين الأساس، والتكوين المستمر لمختلف الأطر والفاعلين التربويين: هيئة التدريس، وهيئة التدبير التربوي والإداري، وهيئة المراقبة والتقييم التربوي. إلا أن غياب هندسة بيداغوجية عصرية، ملائمة، فعالة، وذات إجرائية لكل فئة أو هيئة خاصة، يجعل المدرس لا يزال يشتغل بطرق تقليدية تجعله غير مواكب للتطورات التي تعرفها المعرفة داخل المجتمع اليوم، من تقنيات تكنولوجية جديدة في مجال التربية والتكوين، كتوظيف مناهج وبرامج دراسية جديدة تستطيع مواكبة العصر، وتجعل المتعلم منخرطًا بفعالية في واقع يشهد، يومًا بعد يوم، اضطرادًا وتطورًا كبيرين في مجال التكنولوجيا والعلوم والاقتصاد. كما أن التوجيهات البيداغوجية تظل محدودة؛ إذ لا تحضر فيها المهارات الناعمة (Soft Skills)، ولا طبيعة التوجيه المرتبطة بالأنماط الشخصية للمتعلمين (وفق نظريات الذكاءات المتعددة وأنماط الشخصية لهولاند مثلًا).
نفس الشيء يمكن قوله عن هيئة التدبير التربوي والإداري؛ فرغم إحداث مسلك خاص بالإدارة التربوية بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (CRMEF)، ونظرًا لغياب هندسة بيداغوجية تأخذ بعين الاعتبار مواصفات خريجي هذا المسلك، فإن الإدارة التربوية يفترض فيها مجموعة من المعايير والضوابط الضرورية لتحمل مسؤولية رئاسة المؤسسات التعليمية، من كفايات التدبير، والتخطيط، والتواصل، واتخاذ القرار. غير أن مدير المؤسسة التعليمية يبقى، إلى يومنا هذا، كرئيس مصلحة خارجية تابع للمديرية الإقليمية، يعمل على تنفيذ – على صعيد المؤسسة التعليمية – التعليمات التي تأتي من المديريات الإقليمية، دون الرقي إلى مستوى أكثر أداءً وكفاءة، والذي يجعل من مدير المؤسسة التعليمية رأس قاطرة المؤسسة، وممتلكًا لشخصية قيادية ذات استقلالية في البرمجة والتخطيط، والقدرة على تنفيذ مشاريع المؤسسة المندمجة (PEI)، عبر تفعيل ثقافة الشراكة والانفتاح على الفاعلين الأساسيين: الأسرة، والتلاميذ، وهيئة التدريس، والجماعة الترابية، وجمعيات المجتمع المدني.
نفس الشيء يمكن قوله عن هيئة التأطير والمراقبة والتقييم (التفتيش التربوي)، فرغم أن ولوج هذا الإطار يتطلب من صاحبه سنتين كاملتين من التكوين بين النظري والتطبيقي، ورغم وجود نصوص تشريعية تعطي صلاحيات مهمة لهذه الهيئة للتدخل من حيث التأطير والمراقبة والتقييم والافتحاص، إلا أن واقع الحال لا يزال يعيش مفارقات غريبة، وهي تكمن في مدى تبعية إطار المفتش التربوي للمدبر الإداري، سواء على المستوى الإقليمي (المدير الإقليمي)، أو على المستوى الجهوي (مدير الأكاديمية). وهذا، طبعا، يؤثر سلبا في أداء هذه الهيئة، ذلك الأداء المهني الذي يتطلب، بشكل أساسي، الاستقلالية الوظيفية، بحيث إنها لا تستطيع القيام بمهامها الوظيفية، التي تعتبر شرطا أساسيا للقيام بالتقييم والمراقبة والافتحاص، إن لم تكن لها الاستقلالية الوظيفية والتبعية المباشرة للمفتشية العامة للوزارة: “أن تراقب، وتقوم بالافتحاص، وتنجز تقييما، وترفع تقارير عن أداء من أنت إليه تابع، يعد من سابع المستحيلات!”
أمام هذه الوضعية الخاصة بالفاعلين الأساسيين في المنظومة التربوية المغربية، وإذا أضفنا عنصرا أساسيا ومهما، ألا وهو المتعلم/التلميذ اليوم، الذي لا شك أنه يختلف اختلافا كبيرا عن تلميذ الأمس القريب، فنظرا للطفرة والتطور الحاصلين في مجال تقنيات التواصل الحديثة والتكنولوجيا الرقمية، وتغير القيم، وانسحاب دور الأسر، أصبح متعلم اليوم يختلف على مستوى طريقة تفكيره، وطريقة تواصله مع الآخرين، وفي علاقته بالمؤسسة التعليمية وبالأساتذة الذين يدرسونه؛ فلم تعد المؤسسة التعليمية هي المصدر الوحيد للمعرفة، ولم يعد الأستاذ هو وحده من يمتلكها.
أمام واقع أقل ما يمكن القول عنه إنه يعرف نوعًا من التشظي لمنظومة التربية والتكوين (تعدد النماذج التربوية والتعليمية والتجزيء من جهة، وغياب ربطها بالاقتصاد والتكنولوجيا من جهة ثانية):
✓ فعلى مستوى تعدد النماذج التعليمية: نجد تعليما عموميا يعيش إكراهات كثيرة، أهمها العدد الكبير للتلاميذ داخل الفصول الدراسية (مع تطبيق المقاربة بالكفايات، التي تتطلب أعدادًا محدودة لا تتجاوز العشرين تلميذا، والحال أن العدد الحقيقي يتراوح ما بين 30 و40 تلميذًا، مع غياب جو التكوين والتأهيل لهيئة التدريس)، وهو تعليم موجه للطبقات الشعبية.
✓ ومن جهة ثانية: نجد نظاما تعليميا وتربويا خصوصيا مؤدًى عنه من قبل أسر المتعلمين، وهو موجه إلى الطبقة الوسطى من المجتمع.
✓ ومن جهة ثالثة: نجد نظاما نخبويا يتمثل في تعليم البعثات الأجنبية (الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية، والإسبانية، وغيرها).
2- في رأيكم، هل تكمن أزمة التعليم في المناهج، أم في التكوين، أم في السياسات التربوية، أم في عوامل أخرى؟
ج- في واقع الأمر، أزمة التعليم، بلا شك، تكمن في كل هذه العوامل المذكورة، وفي غيرها من العوامل الأخرى؛ بمعنى أن أزمة التعليم هي أزمة مركبة ومعقدة، ذات طبيعة إشكالية، لا يمكن حلها أو البحث عن وصفات علاجية لها من خلال سبب أو عامل واحد فقط، وإنما يتطلب الأمر تضافر جملة من العوامل:
ما هو سياسي: لا بد من سن سياسة تعليمية هادفة وواضحة، تنبني على اختيارات تمس جوهر المجتمع، من حيث تبادل المصالح المشتركة والقيم المجتمعية والوطنية، مع الأخذ بالقيم الكونية المنفتحة، لبناء مواطن حر، مستقل، مبادر، يؤمن بقيمة العمل والاجتهاد، ويحتكم إلى العقل والمنطق.
ما هو اقتصادي ومادي: يتعلق باقتصاد التربية بصفة خاصة؛ من حيث البنى التحتية للمؤسسات التعليمية، وتجهيزها التجهيز الكافي، وتوفير ميزانية كافية، مع مواكبة التدبير المالي والميزانياتي بالحكامة الجيدة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
المناهج والبرامج التربوية: فالمنهاج التعليمي المغربي، خصوصًا في سلك التعليم الثانوي التأهيلي، هو منهاج تقليدي ومتقادم، بقي على حاله منذ سنة 2007، دون تجديد جذري يلائم التطورات التكنولوجية والمعرفية المعاصرة، ويتناول القضايا الراهنة.
التكوين والتكوين المستمر: إن طبيعة التكوين لها دور مهم وأساسي في خلق أطر كفؤة تمتلك المهارات الضرورية لمهنة التدريس والتأطير، وتجاوز الإكراهات المؤسساتية، وغياب الهندسة البيداغوجية الملائمة للمستجدات المعرفية والعلمية (كالذاكرة، والانتباه، والتفكير النقدي، والمهارات الناعمة (Soft Skills)، وعلوم التربية الحديثة).
3- كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات سوق الشغل ورسالة المدرسة في تكوين المواطن؟
ج- بالرغم من وجود بعض المحاولات، وبعض الخطابات المؤدلجة التي تعمل على الفصل بين التكوين والتشغيل، إلا أنه لا بد من التأكيد والإقرار بأن هناك علاقة مباشرة وأساسية بينهما (التكوين والتشغيل)؛ ذلك أنه في يومنا هذا، الذي يشهد تغيرات جوهرية وأساسية، لا يمكن لأي إنسان أن تكون له مهنة في غياب التكوين. إن رهانات وتحديات يومنا هذا تستوجب، بالضرورة، ربط التدريس بالمهن. ومهما تنوع التكوين واختلف نوع التعليم، تبقى أي مهنة مرتبطة بهما؛ بحيث نجد أن التعريف الديني، كما التعريف الذي تبنته منظمة اليونسكو للتربية والعلوم، يقران بضرورة وأهمية التعلم مدى الحياة. ومن هنا يأتي الدور الحيوي للتكوين المستمر. إن المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات المعرفة بالدرجة الأولى؛ بحيث لا يمكن لأي شخص أن يقوم بوظيفة معينة دون أن تكون لديه كفاية معرفية بها، وقدرة مهارية على إنجازها.
من هنا، لا بد من التفكير في طبيعة الهندسة البيداغوجية، وفي طبيعة التكوين الملائم للعصر، كما لا بد من إعادة النظر في المؤسسة التعليمية، وجعلها مناسبة ومواكبة لمستجدات عصرنا هذا؛ الشيء الذي يتطلب البحث في المهن الجديدة التي تخلق فرصا للشغل، والتخلي نهائيا عن التعليم الماثل في المناهج والبرامج التعليمية التقليدية، التي هي بعيدة كل البعد عن اهتمامات الأجيال الصاعدة. وأكيد أنه، مع الوقت، ومع هذا التطور التكنولوجي الكبير، ستندثر الكثير من المهن التقليدية، وتظهر مهن جديدة.
(يتبع)