
بقلم : عبد القادر محمد حسن الغزاوي
كانت توجد بمدينة القصر الكبير مجموعة من الأجواق والفرق الموسيقية النسائية ، تتكون من النساء ، وترأسها امرأة تدعى ( المعلمة ) . وهذه الأجواق والفرق كانت تقيم حفلاتها بمنازل الأسر القصرية خلال الحفلات العائلية التي اعتادت على إقامتها في مختلف المناسبات والأفراح ، والتي كانت تدوم عدة أيام ، كالزواج والعقيقة والختان وغيرها ، وكانت ( لا تقام الحفلات حسب التقليد القديم إلا مزدوجة : حفلات خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء) (2) ، وكانت هذه الأجواق والمجموعات الموسيقية النسائية هي التي تحيي وتقيم تلك الحفلات والمناسبات الخاصة بالنساء ، وتعرف هذه الأجواق أو المجموعات الموسيقية بالمداحات . حيث أنها كانت تعتمد في جوقها على آلات الدف أو الإيقاع ( الدربوكة والتعريجة والطار والبندير والتصفيق باليد ) ، وأشهرها جوق السيدة الغرباوية وجوق السيدة الرباحية .
وكان جوق المداحات لا يشتغل خلال شهر محرم الذي يقع فيه يوم عاشوراء ، احتراما لذكرى وفاة سيدنا الحسين ، وفي يوم الجمعة الأخيرة من هذا الشهر، تقيم هذه الأجواق حفلا موسيقيا رسميا بساحة ضريح مولا علي بوغالب ، ولي مدينة القصر الكبير، يحضره جمهور غفير من أبناء المدينة ، رجالا ونساء ، ويسمى هذا الحفل إطلاق الوقار، ومن تم يبدأ استمرار النشاط العادي لتلك الأجواق .
وفي الوقت نفسه كان يوجد جوق نسائي آخر يحيي حفلات خاصة بالرجال التي كانوا يقيمونها فيما بينهم ، ولا يشارك في إحياء الحفلات والمناسبات العائلية ، وكان يعرف ( بالجوق ) ، وترأسه امرأة تسمى خدوج الميل ، وهو جوق عصري ، حيث كانت رئيسته تعزف على العود ، وعضواته يعزفن على الآلات الوترية العصرية كالكمان والعود بالإضافة إلى الطار والدربوكة . وخلال الأربعينات سينتقل هذا الجوق من إحياء الحفلات الخاصة الرجالية إلى إحياء الحفلات العائلية ، وذلك على يد السيد محمد حسن الغزاوي ( أحد أعيان مدينة القصر الكبير ) بمناسبة إقامته حفل العقيقة لإحدى بناته بمنزله ، حيث سيحيي هذا الجوق ذلك الحفل العائلي ، وستكون هذه المناسبة بمثابة الانطلاقة الأولى لإقامته حفلات ومناسبات بمنازل الأسر العائلية القصرية ، حيث ستبدأ الطلبات تنهال عليه من مختلف العائلات القصرية لإحياء حفلاتهن ومناسباتهن المختلفة .
ولم أتوصل إلى معلومات تهم هذه المعلمات باستثناء السيدة خدوج الميل التي كانت متزوجة من السيد المجول ( كان تاجرا ) ، حيث رزقا بابنة تزوجت بالسيد الناصري وهو عامل بالخارج ببلجيكا ، فانتقلت السيدة خدوج الميل مع ابنتها إلى بلجيكا ، وبعد عودتها إلى المغرب استقرت بمدينة طنجة ، فانقطعت أخبارها بعد اعتزالها الفن .
وتعد السيدة خدوج الميل من رائدات الأجواق والفرق الموسيقية النسائية بمدينة القصر الكبير بصفة خاصة ، وبمدن شمال المغرب بصفة عامة . وكانت جل الحفلات والمناسبات العائلية تستدعيها تلك العائلات لإحيائها وإقامتها ، حيث أنها كانت لا تجد الوقت كافيا لتلبية كل الدعوات والطلبات التي كانت تصلها ، نظرا لاشتغالها بعدة حفلات ومناسبات بمختلف المنازل القصرية . حيث ذاع صيتها وأصبحت مشهورة ومعروفة . ويرجع لها الفضل في فتح المجال أمام بعض النسوة لإحداث أجواق وفرق نسائية موسيقية أخرى فيما بعد ، حيث ستكون قدوة ومثالا لهن ، وخاصة خلال السبعينات بعد إحداث المعهد الموسيقي بمدينة القصر الكبير على يدي الأستاذ المرحوم الموسيقي محمد الرايسي ، والذي كان يديره ويدرس به ، حيث تكاثرت وتنوعت هذه الأجواق . واليوم لا أحد يتذكر السيدة خدوج الميل ولا من يسأل عنها ، ولا عن تلك المعلمات الأخريات فدخلن عالم النسيان والإهمال ، رغم المكانة والشهرة اللتين حظين بهما أيام مجدهن وتألقهن وخاصة السيدة خدوج الميل .
الهوامش :
1 ـ معلومات شفاهية من والدتي الحاجة خديجة الفوقي اليملاحي الإدريسي .(يونيو 2010م) .
2 ـ عبد السلام القيسي الحسني . كتاب : مدينة القصر الكبير تاريخ ومجتمع ووثائق . الصفحة رقم 43 . السنة 2006 م .
3 ـ الصورة للسيدة خدوج الميل .
القصر الكبير في : 15 يوليوز 2010 م .