ليكسوس الأثرية… جنة الهيسبيريديس الأسطورية وإحدى أعرق الحواضر المغربية

منذ 3 ساعات

بقلم : محمد التطواني
تُعد مدينة ليكسوس الأثرية، الواقعة على هضبة تشمس بالضفة اليمنى لوادي اللوكوس، على بعد ثلاثة كيلومترات شمال مدينة العرائش، من أقدم المواقع الحضرية في المغرب وشمال غرب إفريقيا، ومن أبرز الشواهد على تعاقب الحضارات التي ازدهرت على الساحل الأطلسي عبر آلاف السنين.

ارتبطت ليكسوس منذ العصور القديمة بالأساطير الإغريقية، إذ اعتُبرت الموطن المحتمل لحديقة الهيسبيريديس، حيث كانت الحسنوات الثلاث يحرسن أشجار التفاح الذهبي. وتروي الأسطورة أن البطل هرقل قصد هذه الحديقة لإنجاز المهمة الحادية عشرة من أعماله الاثني عشر، والمتمثلة في الحصول على التفاحات الذهبية. كما ارتبطت الأسطورة بتنين عظيم كان يحرس الحديقة، ويرى بعض الباحثين أن هذا التنين قد يكون رمزًا لوادي اللوكوس الذي يلتف حول الموقع.

أما من الناحية التاريخية، فتشير المعطيات الأثرية إلى أن أقدم الاستيطانات الفينيقية بليكسوس تعود إلى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، لتصبح المدينة أحد أهم المراكز التجارية الفينيقية على الساحلين الأطلسي والمتوسطي للمغرب، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وخصوبة سهول اللوكوس وانفتاحها على المحيط الأطلسي.

تعاقبت على المدينة بعد ذلك الحضارة القرطاجية، قبل أن تدخل ضمن نفوذ المملكة الموريتانية، ثم ازدهرت في عهد الملك يوبا الثاني، الذي شهدت المدينة خلال حكمه توسعًا عمرانيًا واقتصاديًا كبيرًا، خاصة في مجال صناعة تمليح الأسماك وإنتاج صلصة الغاروم الشهيرة التي كانت تُصدر إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

وفي سنة 42م، ضُمَّت ليكسوس إلى الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور كلوديوس، لتعرف مرحلة جديدة من الازدهار، تجلت في تشييد الحمامات العمومية والمعابد والمنازل الفخمة والمسرح والمدرجات، إلى جانب إقامة حي سكني محاط بسور ذي طابع هلنستي فوق الأكروبول.

ويضم الموقع كذلك أكثر من 150 صهريجًا لتخزين المياه، ونحو عشرة معامل لتمليح الأسماك وصناعة الغاروم، مما يعكس المكانة الاقتصادية التي احتلتها ليكسوس باعتبارها أحد أهم الموانئ التجارية والصناعية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

غير أن المدينة بدأت تعرف تراجعًا تدريجيًا ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، نتيجة الأزمات التي عرفتها الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى تعرضها لحرائق وأضرار ساهمت في انحسار نشاطها.

وخلال العصر الإسلامي أُقيمت فوق أنقاض المدينة القديمة مستوطنة عُرفت باسم تشمس، ازدهرت خلال القرون الوسطى، وقد كشفت الأبحاث الأثرية عن بقايا مسجد صغير ولقى خزفية تعود إلى القرنين الثاني عشر والرابع عشر الميلاديين، قبل أن تنتقل الحياة الحضرية تدريجيًا إلى الضفة المقابلة مع نشأة مدينة العرائش الحالية.

وقد أولى الرحالة حسن الوزان (ليون الإفريقي) اهتمامًا بمدينة العرائش، مشيرًا إلى ارتباطها بالسكان المحليين من القبائل الأمازيغية. كما أسهم الاحتلال الإسباني للمدينة خلال القرن السابع عشر، واستقرار أعداد من الموريسكيين بعد سقوط الأندلس، في إغناء الطابع المعماري للعرائش، الذي يمزج بين التأثيرات المغربية والأندلسية والإيبيرية، وهو ما لا يزال جليًا في عدد من معالم المدينة التاريخية.

ورغم القيمة التاريخية والحضارية الاستثنائية لموقع ليكسوس، فإن الجزء الذي خضع للتنقيب لا يتجاوز نحو 10% من مساحته الإجمالية، البالغة حوالي 75 هكتارًا، بينما لا يزال القسم الأكبر من المدينة الأثرية مدفونًا في انتظار المزيد من الدراسات والحفريات العلمية.

وقد بدأت الدراسات الحديثة للموقع منذ القرن التاسع عشر، بينما أُنجزت أبرز الحفريات الأثرية خلال فترة الحماية الإسبانية، خاصة على يد عالم الآثار الإسباني ميغيل تاراديل، الذي أسهم في الكشف عن عدد من أهم معالم المدينة.

وتوجد اليوم معظم اللقى الأثرية المكتشفة في متاحف الرباط وتطوان، في حين يضم متحف العرائش جزءًا محدودًا منها، وهو ما يدفع العديد من المهتمين إلى المطالبة بتوسعة المتحف المحلي وإعادة جزء من هذه الكنوز الأثرية إلى موطنها الأصلي، بما يعزز تثمين التراث المحلي والتنمية الثقافية والسياحية.

وقد أُدرج موقع ليكسوس سنة 1995 ضمن القائمة الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو، في انتظار تسجيله رسميًا ضمن قائمة التراث العالمي، بالنظر إلى قيمته الإنسانية الاستثنائية باعتباره شاهدًا على تعاقب الحضارات الفينيقية والقرطاجية والموريتانية والرومانية والإسلامية.

لقد كانت ليكسوس، والعرائش من بعدها، محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية عبر مختلف العصور، بفضل موقعهما الاستراتيجي وثرواتهما الطبيعية، حتى نُسب إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني قوله: “إن العرائش وحدها تساوي إفريقيا كلها.” وهي عبارة تجسد الأهمية الجيوسياسية التي حظيت بها المدينة عبر التاريخ.
القصر الكبير في : 29 يونيو 2026.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading