ما تبقَّى مِن قُبلة أم / قصة قصيرة

منذ 4 ساعات

للأستاذ : أحمد العبودي 

في ذلك الصباح استيقظ غَسّان وهو يشعر بثقلٍ غريب في صدره، كأن بقايا حُلمٍ قد أرَّقتْه، كان متوجّسا؛ به إحساس لا اسم له، يجثم على قلبه، يتبعه كظله منذ فتح عينيه، لا يراه لكنه يحسّ ببرودته.

ظلت أمه تحدق فيه وهو يرتدي ثيابه المدرسية، تتفحّص وجهه بدقة متناهية، فهي تحفظه عن ظهر قلب. قبّلته على خده وجبينه أطول من المعتاد، ارتبكَ قليلا، وشعر بدفء القبلة يسري في كيانه كله.

قالت له بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديا:

ـ انتبه لنفسك يا غسان، فوالدك الشهيد أوصاك بها حيّا، وها أنا أحمل عن غيابه وصيته.

لم يفهم لماذا ارتجفت يدُها، ولا لماذا شعر هو فجأة برغبة غامضة في البقاء قربها، وفي تأجيل الخروج.

في القسم، انكبًّ غسان على ورقته، يحاول أن يقنع نفسه بأن حصة اليوم مجرد فرض تقويمي معتاد. لكن حين بدأ يجيب عن الأسئلة، خُيِّل إليه أنّه في امتحانٍ لا يقيس معرفته، بل يختبر قدرته على الصمود.

بعد حين انفجر صوت رهيب؛ لم يكن دويّه قويا فحسب، بل صفعة رهيبة مزّقت الأجواء، فكأن الأرض ارتطمت بكوكب آخر. توقّف القلم في يده، وتجمد جسده في مكانه قبل أن يدرك ما الذي حصل. شعر أن الزمن نفسه يوشك أن يتوقف.

اندفع الجميع نحو بوابة المدرسة، لكن غسان ظلّ واقفا لحظة يسيرة، يسأل نفسه في ذهول: هل هذا حقيقي، أم أنه كابوسٌ تأخر في الانقشاع عني.

وعندما أيقن أن القصف قد أصاب جناحا من المدرسة، فهم فجأة معنى هذا الرعب. لم يعد يرى الأشياء واضحة؛ مجرد ألوان متداخلة كلوحة فنية تجريدية ترسم مشاعر حادّة ومختلطة؛ خوف، غضب، قلق، صراخ، توتر…

رأى معلمه ساقطا، منكفئا على وجهه، ناداه بصوت مكسور، لكن، ليست ثمة أي إجابة.

سمع أصوات أطفال يبكون ويستغيثون: أمي، أريد أمي…

هنالك تذكّر غسان أمه، تسلّل إلى قلبه خوف حادّ، لم يعرفه من قبل، خوف يؤذن بالخراب.

وصل مسرعا إلى البيت وهو يحمل داخله فزعا لم يتعلّم بعد كيف يواجهه. الطريق بدا له أطول من المعتاد، مع كل خطوة كان ينشأ سؤالٌ خفي: هل ما يزال البيت هناك؟ وهل ما تزال أمي هناك؟ وهل أختي لم يمسسها سوء؟

وقف أمام الدمار عاجزًا عن البكاء. كان عقله يرفض المشهد، يردّد بعناد طفولي: هذا ليس بيتنا…هل يعقل أن تنسف البيوت هكذا؟

رأى أمه مسجاة، لم يصرخ، اقترب منها ببطء، كأن الصوت قد خانه، أو كأن الصراخ صار فعلا غير مجدٍ في هذه اللحظة. وجد نفسه يقف بين الركام، بينما الأم كانت تحت سقفٍ انهار بفعل القصف؛ جسدٌ ساكن، وملامح لم تعد كما كانت عليه من ذي قبل. حدّق فيها طويلا، بعينين مذعورتين، كأنه يسألها: لماذا لم تحتمِي؟ ولماذا لم تنادي عليَّ؟ وهمس بصوت منكسر: أوصيتني يا أمي أن أنتبه لنفسي… وأنا قد انتبهت.

ناداها مرات عديدة، كان الصمت جوابها الوحيد.

جلس إلى جوارها، التصق بها، يبحث عن الدفء، وحين لم يجده، تفجر فيه البكاء قويا، مكسورا، كأنه اعتذار لأمه.

أدرك الآن أن العدوان المباغت قد سرق منه أمَّه.

في داخله اختلط الحزن بالانتظار؛ كان قلبه يخفق بعنف، كأنه يريد أن يغادر صدره، بينما رأسه الصغير عاجزا عن فهم كيف يمكن لصواريخٍ أن تعرف طريقها إلى البيت والمدرسة معا.

وعندما رأى أخته الصغيرة تنزف الدماء من رأسها، شعر بأن قلبه يُشقّ نصفين: نصف يركض ليحملها، ونصف يتشبث بجسد الأم البارد. بدا له أن العالم لم يعد آمنا، وأن الطفولة يمكن أن تنتهي فجأة، ولو خلال حصة امتحان.

جلس غسان قرب الحائط المهدّم، يحتضن حقيبته المدرسية، كأنها آخر ما تبقّى من حياته السابقة. لم يعد يعرف لماذا هو هنا، ولا إلى أين سيذهب.

في تلك اللحظة، كان كمن فقد جزءا من كيانه، وتعلّم ـ دون درسٍ ولا شرح ـ أن الاحتلال الغادر لا يقتل الأجساد وحدها، بل يقتل البراءة والاطمئنان أيضا.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading