
الأديب : محمد الجباري
حلمتُ، وكأن الليل قد أشفَق عليّ، فأهداني صومعة صومعة سيدي عقوب كما لم أرها من قبل…
كانت تعانق السماء، شامخةً كدعاءٍ لم يُكسر، بيضاءَ كقلب أمٍ لم يعرف الخذلان، وكنتُ أضحك ببراءة طفلٍ وجد لعبته بعد فراق طويل.
رأيتُ النخيل… آه، ذلك النخيل…
ما يزال واقفًا، ثابتًا، لم تمسه أيدي الغدر، كأنه يعرف كيف ينجو من الخيانة.
دخلتُ الضريح، وكان الصمت فيه يتهجّى الحزن.
رأيتُ شيخًا يتوضأ للقاءٍ قريب مع الله، فاقتربتُ منه وسألته، كمن يتشبث بأملٍ أخير:
— من أنت أيها الشيخ؟
ابتسم ابتسامةً مثقلةً بالسنين وقال:
— أنا حارس الضريح يا ولدي.
فانفرج قلبي، وقلتُ بفرحٍ خجول:
— إذًا لن يصلوا إلى النخيل… ما دمتَ أنت هنا.
لكن عينيه…
يا لوجع عينيه…
كان فيهما ليلٌ طويل لا ينتهي.
قال بصوتٍ مكسور، كأن الكلمات تتساقط منه تعبًا:
— لا يا ولدي…
أنا أحرس الضريح من شياطين الجن،
أما شياطين الإنس… فلا طاقة لي بهم.
خرجتُ مسرعًا، كمن يهرب من حقيقةٍ لا يريد تصديقها،
فإذا بالصومعة… لم تعد تلك التي حلمتُ بها.
كانت منحنية، حزينة، كشيخٍ فقد أبناءه،
وصار البياض فيها رمادًا،
وعلمٌ أسود يعلو قبتها كغمامة حدادٍ لا تنقشع.
على الأرض…
بقايا أعشاش “الخُطيف” مبعثرة،
كقلوبٍ صغيرةٍ هُجّرت بلا وداع،
والنخيل…
لم يعد هناك…
فقط فراغٌ يصرخ.
وكان صوتٌ بعيد، يشبه الأذان، لكنه أكثر ألمًا،
يرتفع… ثم ينكسر… ثم يعود:
لقد مرّ اللصوص من هنا…
لقد مرّ اللصوص من هنا…
لقد مرّ اللصوص من هنا…
واستيقظتُ…
وفي صدري نخلةٌ مقتلعة،
لا تزال تنزف