
ذ . احمد العبودي :
ليس الاستاذ إدريس الصمدي مجرد صديقٍ عابر في مسارات الحياة، وإنما هو رفيقُ دربٍ امتزجت فيه المودةُ بالتقدير، جمعتني به صداقةٌ تُظِلُّها هيبةُ الأستاذ ووقارُ المربي. فهو عندي، وعند الكثيرين من أمثالي، صديقٌ وأستاذٌ في آنٍ واحد، وتلك منزلةٌ قلّما تجتمع لرجلٍ في قلب واحد. كنتُ جارًا له طيلة أكثر من عشر سنوات، زادت القرب قربًا، وكشفت لي من خصاله ما لا تكشفه المجالس العابرة.
عرفته خطيبَ جمعةٍ مقتدرًا، يعتلي المنبر بثبات العارف الذي يستحضر مسؤولية البلاغ المبين، يُحكِم إعداد خطبتيه إحكاما علميًا ومنهجيًا قل نظيره، ينسج عباراتها من أول حرفٍ إلى آخره، في بناءٍ متماسكٍ محكم ومتراص. ومع ذلك، لا يلبث أن يتجاوز الورقة إلى رحابة الارتجال الفصيح واليسير، كأنما المعاني قد استقرت في صدره فصارت تنثال على لسانه بكل عفوية. وربما جاوز الزمنَ المخصص للخطبة، من غير غفلة، لكن عن استغراقٍ صادقٍ في تبليغ ما يرى أنه حقٌّ لا يحتمل الاختزال أو حتى ترشيد الزمن الخطابي.
الأستاذ إدريس في خُلُقه، رجلٌ تفيض منه معاني التواضع والصدق والإخلاص؛ في عمله، وفي صحبته ، وفي سره وعلانيته، وفي صداقته أيضا.
في سنة 2010، وخلال حفل تكريمه، جاءت كلمته وجيزةً مُحكَمة، آثر فيها أن يصرف النظر عن استعراض مسيرته المهنية، ليتوجّه إلى الحاضرين بنصائح نفيسة، داعيا إياهم إلى مراجعة طرائق تعاملهم مع التلاميذ، على أساسٍ قوامه التفهّم والرِّفق والإنصات لنبض قلوبهم البريئة.
رُزق أبناءً بررة، كانوا بدورهم جسورَ مودةٍ بيننا وبينه، إذ جمعتهم بأبناء الحارة صحبةٌ طيبة، حين كانوا أطفالا يلهون.
قد يُخطِئ في حقه البعض، لكنني وقفتُ على حقيقة أمره: رجلٌ يمشي مطرقًا، لا يُكثر الالتفات إلى الوجوه، فإذا فاته ردُّ السلام فذلك من قِلّة التفاته لا من استعلاءٍ في نفسه، وهو يُقرّ بذلك في صدقٍ لا تكلّف فيه، ويعدّه من نقائصه التي لا يُجامل فيها.
وهو، إلى ذلك، كريمُ اليد، واسعُ العطاء، حافظٌ لأصالته، في لهجته ولباسه ومطعمه ومشربه، كأنما يحمل ملامح البيئة التي أنجبته دون أن يتنكر لها. أما تكوينه العلمي، فمتينٌ عميق، تتجلى فيه عنايته بالحديث النبوي وفقهه، وقد تُوِّج ذلك بتحقيقه لكتاب «النظر في أحكام النظر بحاسة البصر» لابن القطان الفاسي، كان قد أهدانا ـ نحن اصدقاءه ـ نسخا منه، وهو عملٌ علميٌّ رصينٌ، ثمرةَ دراسته العليا.
السيد إدريس رجلٌ فِطريّ النزعة، يغلب على مزاجه الجِدّ، لا يعرف التكلّف في سلوكه ولا التصنّع في قوله. لقد لازم منبر مسجد السلام (مدينة القصر الكبير) نحو عقدين من الزمن متطوعا، لا يبتغي أجرا إلا ما كان من عند الله، فلم يغادره إلا قليلًا. وكم ناب عنه صوتي في غيابه، غير أني كنت، كلما وقفتُ مقامه، أشعر بوطأة المقارنة، لكني كنت أدرك أني أقف خلف فارسٍ من فرسان المنبر، له فيه سابقةُ رسوخٍ وصدقُ أداء، غير أنه اليوم لم يعد يقوى على الخطابة، إذ حالت ظروفه الصحية بينه وبين المنبر، فانطفأ صوتٌ كان يملأ المكان حياةً وتوهجا، وبقي أثره شاهدا على مسيرةٍ من العطاء الصادق والملتزم.