
.الاستاذ : جمال العسري
القصر الكبير … حاضرة الأهل والعائلة الكبيرة … تعيش مأساة القرن …
القصر الكبير … والألم الكبير … والحزن الأكبر في انتظار ما يخفيه المستقبل …
مدينة القصر الكبير … ليست فقط أقدم مدينة في التاريخ المغربي … بل هي مدينة الأهل والعائلة … مدينة الوالدين والأجداد … وهي كذلك مدينة الزوجة والأصهار … لذا هي مدينة القلب … نعيش بكل قلوبنا ما تعيشه من أزمة إنسانية حقيقية … أزمة عبرها أدركنا قليلا معنى النزوح – وإن كان لا يقارن بنزوح أهلنا بقطاع غزة – ومعنى أن تغادر العائلات منازلها وهي لا تدري متى تعود له … وفي أية حالة ستعود له … معنى أن يغادر الأطفال مرتع الطفولة ليتوجهوا حيث لا يعلمون شيئا … محنة القصر الكبير وأهله أحيت التضامن العائلي … التضامن الاجتماعي … حيث سارعنا نحن من تربطنا رابطة الدم بالقصر الكبير إلى احتضان أهلنا هناك … وفتح قلوبنا قبل بيوتنا لأهلنا هناك … في محاولة لمنحهم نوع من الاطمئنان … والدفء العائلي … لكن ما يرهبنا جميعا .. هو صمت المسؤولين – الذين قاموا حقيقة بالواجب وربما أكثر – ولكن هذا الصمت أو سوء التواصل … ترك الأبواب مفتوحة للإشاعة … بل الإشاعات … وما أخطر الإشاعات وهي تنتشر انتشار النار في الهشيم … صمت المسؤولين يغذي هذه الإشاعات القاتلة … فرجاء رجاء لكل المسؤولين أن يتواصلوا مع المواطنين … ليقتلوا هذه الإشاعات في مهدها … وليجعلوا من الصحافة … بكل أنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة … وسيلة للتواصل … الوقت هو وقت برامج حوارية … ندوات تعبوية … نقاشات للأطر وأهل الاختصاص … لمناقشة ما يعيشه الوطن وخاصة مناطقه المهددة بالفيضانات … برامج تبعد المواطن عن إشاعات العالم الافتراضي … والرعب الذي تزرعه …
ونحن نتابع بقلوبنا وبكل جوارحنا ما يقع للقصر الكبير … الذي تحول إلى مدينة أشباح … مدينة حجر بدون بشر … تأتي لأسماعنا حكايات إنسانية … ومنها ما عشته اليوم لأحد الشيوخ الذي بلغ من العمر عتيا … والذي ورغم إلحاح كل جيرانه من أجل مغادرة منزله … رفض المغادرة رفضا مطلقا … وهو الفاقد لنعمة البصر … وهو الذي كان يتكلف الجيران بتلبية حاجياته اليومية وخاصة أنه يعيش وحيدا في منزله … رغم ذلك رفض رفضا باتا مغادرة مسكنه … وأصر على البقاء وحيدا … وأمام هذا الإصرار لم يكن أمام جيرانه من حل إلا إخبار السلطات بأمره … حيث سارعت هذه الأخيرة لزيارته وحاولوا إقناعه بمغادرة مسكنه لكنه رفض الأمر وأصر على البقاء بمسكنه بحيه وحيدا … فما كان من المسؤولين الذين نحييهم هنا إلا أن منحوه جهاز هاتف محمول ليبقوا على اتصال به ووعدوه بزيارته على الأقل ثلاثة مرات في اليوم لتلبية كل حاجياته … إلى يعود الجيران لمساكنهم … ويعود للقصر الكبير ضجيجه … وتعود له الحياة …
اليوم ساكنة القصر الكبير … ومعهم كل أهلهم المنتشرين عبر ربوع الوطن … كلهم عيونهم نحو المستقبل … نحو الأيام الأربعة القادمة … وأيدينا جميعا على قلوبنا … وكلنا أمل في أن تمضي على ألف خير … وفي خضم هذا النصاب لا ننسى إخواننا في الغرب ومناطق الغرب … حيث ترعرعنا وكبرنا … حيث عشنا سنين من عمرنا … الغرب الذي يعاني هو الآخر وتعاني دواويره من غضب نهر سبو … ومن الفيضانات التي عمت مساراته …. ومن ترحيل ساكنة العديد من الدواوير … إلى مناطق أخرى أكثر أمنا …
ما أصعب النزوح … ما أصعب أن تهرب من مسكنك … وأنت لا تعرف ما الذي يخبئه المستقبل … ما أصعب أن ترحل وتترك كل شيء بمنزلك … بدارك … بخيمتك … ما أصعب هذا الأمر … ما أصعبه …
ندائي الأخير … للمسؤولين … للصحافيين … للقنوات التلفزية … للإذاعات الخاصة والعامة … دوركم اليوم هو التواصل … هو الإنصات والاستماع … هو الإرشاد والنصح … هو الطمأنة … هو النقاش والحوار … لتقتلوا الإشاعات القاتلة … فكم هي مخيفة وقاتلة هذه الاشاعات … وكم هو مرعب رهيب هذا الصمت …