
ذ. عبد المجيد بوزيان :
يشكل قطاع النظافة أحد المؤشرات الأساسية على جودة الحكامة المحلية ومدى ارتباط السياسات العمومية بحاجيات المواطنين وصحتهم، ومن هذا المنطلق يثير النقاش حول التدبير المفوض لقطاع النظافة تساؤلات عميقة لا تهم الحاضر فقط، بل تستدعي كذلك استحضار تجارب الماضي، ومقارنتها بما آل إليه الوضع خاصة في المدن الصغيرة التي كانت في زمن ما نمودجا في التنظيم والبساطة والنجاعة.
تفاعلا مع الدعوة العامة لحضور اللقاء الدراسي حول التدبير المفوض لقطاع النظافة، الذي نظمه حزب فدرالية اليسار الديمقراطي فرع القصر الكبير مشكورا، وأثناء متابعتي لمداخلات أساتذة وخبراء في مجال البيئة، استحضرت مدينتي الصغيرة في زمنها الجميل، زمن كان فيه الحزب حزبا بمبادئه ومرجعيته الايديولوجية، وكان المجتمع المدني مجتمعا مدنيا بحق وحقيقة، يمارس قناعاته بثقة واستقلالية، وكانت المدرسة مدرسة بعطائها ومردوديتها. أنذاك كانت هذه المؤسسات جميعها تجتهد لتحقيق أهدافها وتقوم بأدوارها التأطيرية والتكوينية على أكمل وجه.
استحضرت تحديدا سنوات الستينات والسبعينات، حين كان المجلس البلدي يتولى بنفسه تدبير وتسيير قطاع النظافة، معتمدا على وسائل وإمكانات بسيطة وتقليدية. فقد كان عامل النظافة يستعمل عربة يجرها حمار لجمع أزبال المدينة، ينتقل من زقاق إلى آخر في وقت محدد ومعروف عند ساكنة الحي، معلنا عن وصوله بصفارته المتميزة، فتضع كل أسرة نفاياتها قرب باب بيتها في سطل عادي مخصص للقمامة، وكانت هذه العملية تتم بانتظام في جميع أحياء المدينة.
بعد جمع النفايات، كانت تفرغ وتطمر في مطرح عبارة عن حفرة عميقة وواسعة، كانت توجد خلال سنوات السبعينات بالقرب من مقبرة اليهود بحي بلعباس، قبل أن تتحول لاحقا إلى أرض صالحة شيدت فوقها المقاطعة الحضرية لحي سيدي رضوان. أما شوارع المدينة، فكانت تنظف كل صباح، وفي فصل الصيف كانت تُرش بالمياه حفاظا على جماليتها وأشجارها وأحواضها المليئة بالزهور والورود.( شارع مولاي علي بوغالب مثلا)
للأسف الشديد وبعد تفويض قطاع النظافة لشركات ادعت تخصصها في هذا المجال، استبشرنا خيرا، واعتقدنا أن هذه الخوصصة ستكون في صالح المدينة وساكنتها، غير أن ماحصل بمدينتنا لم يكن استثناء، بل هو ما وقع في معظم المدن المغربية، فقد تغيرت وسائل العمل من عربات بسيطة إلى شاحنات حديثة، لكن في المقابل تم إحداث مطارح عشوائية ساهمت بشكل كبير في الثلوث البيئي، وأدت إلى إصابة المواطنين بأمراض منها الخطيرة، وقد بادر المسؤولون عن هذا القطاع إلى اتخاذ عدة إجراءات ومبادرات، غير أن معظمها حسب عدد من الخبراء باءت بالفشل، ولم تحقق الأهداف المرجوة.
إن تجربة التدبير المفوض لقطاع النظافة تفرض اليوم وقفة تقييم صريحة ومسؤولة، تستحضر دروس الماضي وتنتقد اختلالات الحاضر، بهدف البحث عن نمادج تدبيرية بديلة تضع صحة المواطن والبيئة في صلب الاهتمام.
وفي الختام أقول هذا ما جنته علينا الخوصصة وفي مجالات متعددة.