دعوها فإنها منتنة… حين كادت كرة أن تزرع الفتنة فأنقذتها القيم”

20 يناير 2026
Oplus_131072

– د. محمد البدوي :

«دعوها فإنها منتنة»
ليست هذه العبارة حديثًا يُستحضر في مواسم الوعظ البارد، ولا حكمة تُعلّق على الجدران ثم تُنسى، بل هي اليوم عنوان المرحلة، وشعار اللحظة، وخط الدفاع الأخير عن الوعي الجمعي للأمة، في زمن تختلط فيه الهزيمة الرياضية بالانكسار النفسي، وتُستدرج فيه الجماهير إلى منزلقات العصبية والفرقة.
كتب الله لنا أن نكتوي بنار هذه اللحظة القاسية، ونحن شعبٌ عن بكرة أبيه، نتجرّع مرارة الهزيمة في المباراة النهائية للظفر بكأس إفريقيا، تلك الكأس التي سكنت الحلم المغربي لأكثر من خمسة عقود، وتحوّلت من طموح رياضي إلى شغف جماعي وذاكرة مؤجَّلة.
كانت الهزيمة واقعة، نعم،
لكنها لم تكن هزيمة عادية؛ بل جاءت بطعم المكر والحرب والخديعة.
هزيمة بعد نصرٍ محقَّق، كان قاب قوسين أو أدنى، في الدقيقة الأخيرة من زمن المباراة، حين ضاعت ضربة جزاء، وكأن الفرح كان يمد يده إلينا ثم سُحب فجأة، بلا إنذار ولا رحمة.
ما وقع لنا يشبه تمامًا موت الفجأة؛ أن يكون المرء في أتمّ العافية، ثم تخطفه يد المنون على حين غفلة.
وأحسب ـ ومعي عموم المغاربة ـ أننا أُصبنا بصدمة جماعية، وبنوبة هيستيرية من الحزن والهم والأذى، لا يمكن احتواؤها بسهولة، ولا تجاوز تبعاتها سريعًا، حتى بدا وكأن كثيرين فقدوا صوابهم، وراحوا يقولون ما لا يُقال، ويكتبون ما لا يُحسب حسابه، غير مدركين أن الكلمات، في لحظات الانكسار، قد تكون أخطر من الهزيمة نفسها.
ويا للحسرة…
أيُّ حسرة هذه التي تجعلنا نرى، في أيام معدودة، دعوات للعصبية المقيتة، دعوات يندى لها الجبين، وتشيب من هولها الولدان؟
دعوات للعنف اللفظي والمعنوي، وللسبّ والتحقير، وللعنصرية التي تجاوزها التاريخ، ولفظتها القيم الإنسانية، ولا يليق بنا ـ نحن المغاربة ـ أن نُجرَّ جَرًّا إلى مستنقعها الآسن، مهما اشتد الألم، ومهما كان الجرح نازفًا.
يكفينا فخرًا أننا ربحنا العالم قبل أن نربح الألقاب، وربحنا العرب والعجم، وربحنا إفريقيا بأخلاقنا قبل أقدام لاعبينا.
وقد كُتب لهذه الدورة الإفريقية النجاح، وكتب الله لهذه التظاهرة القبول، حتى عدّها كثيرون من أنجح النسخ في تاريخ كأس إفريقيا. وإن كنا نطمح إلى التتويج، فإن القدر كان له رأي آخر.
قال تعالى:
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7].
والله أراد بنا أمرًا، نحن نجهل حكمته، لكننا نوقن بعدله وتدبيره.
وإذا كان التسليم بالقدر خيره وشره واجبًا في ميادين الجد، ففي باب الهزل واللهو المباح ـ وكرة القدم منه ـ من باب أولى وأحرى.
غير أن ما يثير القلق حقًا، هو أن نرى نيرانًا تُشعل عمدًا:
نارًا مسعّرة على الجيران،
وأخرى على منتخبات شقيقة،
وكأن هناك من يسعى، عن قصد، إلى جرّنا إلى مستنقع فتنة، لا رابح فيه إلا أعداء هذه الأمة.
ولعلي في هذه اللحظة أكاد أجزم أن ما جرى ليس بريئًا بالكامل، وأن الشيطان وجد في هذه الهزيمة فرصة مواتية لينفخ في نار التفرقة والتشتيت.
وأقصد بالشيطان هنا ـ دون مواربة ـ الكيان الصهيوني، برعاية أمريكية، الذي أدرك أن أي لحظة انكسار عربي أو إسلامي ينبغي أن تُستثمر سياسيًا وإعلاميًا، لأن العرب والمسلمين، متى توحّدوا، شكّلوا خطرًا حقيقيًا على أمنه ووجوده.
هي إذن فرصة تُستغل في السياسة، لا كما أُهدرت منا فرصة التتويج في ضربة جزاء…
ضربة كانت ستكون خلاصًا في اللعب، لا أكثر.
أما في الجد، فنحن ـ للأسف ـ أبعد ما نكون عن الفوز الحقيقي.
فمؤشراتنا في القضايا الاستراتيجية الكبرى لا تبعث على الاطمئنان:
الرتبة 120 في التنمية البشرية،
الرتبة 129 في التعليم،
الرتبة 91 في أنظمة الرعاية الصحية.
نُصنَّف مع الذيل، لا مع الرأس، ومع ذلك نخلط أحيانًا بين الإنجاز الرياضي والنهضة الشاملة.
ومع ذلك، لا يمكن ـ ولا يجوز ـ إنكار ما حققه المنتخب الوطني المغربي في مونديال قطر؛ إنجازٌ تاريخي، تجاوز حدود المستطيل الأخضر، وتسلل إلى قلوب الملايين من العرب والمسلمين، فجعل للمغرب صولة وجولة، وصورة مشرقة في زمن شاحب.
إنه منتخب النية،
منتخب برّ الوالدين،
منتخب السجود عند كل هدف،
منتخب حمل راية فلسطين تعبيرًا صادقًا عن الانتماء والموقف.

لن نقبل اليوم أن نخسر، بسبب عصبية عابرة، كل ما بُني خلال سنوات من العمل والصبر.
لقد علمتنا كرة القدم أننا نستطيع، وأن في هذه الأمة طاقات كامنة، إذا أُحسن توظيفها، نجحت في الجد كما نجحت في اللعب.
ويعيدنا الوعي، في الختام، إلى حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، حين قال:
«كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار… فقال النبي ﷺ:
(ما بال دعوى الجاهلية؟)…
ثم قال:
(دعوها فإنها منتنة)».

فهنيئًا للمنتخب الوطني المغربي بلوغه نهائي كأس إفريقيا،
وهنيئًا لنا نحن المغاربة حسن التنظيم وكرم الضيافة،
وهنيئًا لنا العفو عند المقدرة،
وهنيئًا لنا إن صدقنا الانتماء لقوله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾،
وقوله سبحانه:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾،
وقول نبيه ﷺ:
«لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى».

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading