هواجس قلبٍ عابرٍ بين الحواجز

10 أغسطس 2025
Oplus_131072

اد . احمد العبودي: 

عدتُ إلى المدينةِ السليبةِ بعد أربعةِ عقودٍ انقضت، ومعها تآكلت أشياءُ كثيرةٌ: الذاكرة، شعرُ الرأس …
مشَيْتُ على الرصيفِ ذاتهِ الذي مشيتُ عليه طالباً جامعياً ذات يومٍ بعيد،
لكنني اليومَ أكبرُ سنّا، أثقلُ روحا، وأرهفُ حسّا.
ما بين الأمسِ واليومِ، صارتِ الحدودُ الزائفةُ أكثرَ فجاجةً واستفزازا.
أسوارٌ إسمنتيةٌ متغطرسة، وحواجزُ حديديةٌ كأنها أنيابُ أفعى مترصدة،
نتسلّلُ بينها لواذًا كالمذنبين، أو كالمهرّبين.
هكذا، فجأةً، وجدتني مرّةً أخرى أفكّر في سيكولوجية المحتل،
ذاك الذي زحف إلى قلب الوطن في سر وعلانية،
هنا جنودُه، علمُه “الوطني”، لغتُه التي تسدُّ عليك الأفق.
الحرفُ اللاتيني يتسكّع في كلّ الشوارع، ويعربدُ على كلّ الواجهات،
لا حظَّ للضادِ مطلقًا… حسرةٌ تمزّق نياطَ القلبِ في مسقطِ رأسِ عيّاض.
الاحتلال، عندي، شهادةُ قبحٍ وشناعةٍ معلنةٍ على حضارةٍ تغتالُ الحريةَ كلّ لحظةٍ، باسمِ تقدُّمٍ “متوحشٍ” وحداثةٍ “عقيمة”.
حضارةٌ تُشرّع وتنهب، تُخضع وتُبرّر، تكادُ تقول: “أنا أُحيي وأُميت!”
نفسُ الحكايةِ بالنسبة لمليلية: نفسُ السور، ونفسُ العبور، ونفسُ الشعورِ بالإحباط.
لا أدّعي فهْما عميقا في السياسة،
ولا أزعمُ حنكةً في التحليلِ الاقتصادي،
لكنّي أفهمُ نبضَ قلبي…
أشعرُ بالاختناق حين يُطلبُ مني أن أمرّ عبرَ قضبانٍ حديدية،
ومرّةً أخرى عبرَ قفصٍ زجاجي،
كأنني لاجئ، أو مهاجرٌ غيرُ شرعي.
أجل، أدركُ جيدا لغةَ الاحترازِ الأمني، لأنني تعلمتُ من قبل منطقَ الحذر،
لكنّ شيئا في داخلي يرفضُ أن تُغلقَ أبوابٌ وتُفتحَ بتعليماتٍ من “الآخر”.
أمرٌ يُولّدُ في النفسِ وجعا لا يهدأ، وكَمَدا خانقا.
كم أعشقُ السيرَ هنا حرًّا كما يدورُ الدمُ في عروقي،
من غيرِ مانعٍ أو عائق… من غيرِ فحصٍ للوثائق!
هذا الشعورُ لا يخضعُ لأي تحليلٍ نفسي، ولا يُساوَم…
معابرُ مصقولة، مكيَّفة، ظليلة،
وأخرى تعبٌ كلُّها
طوابيرُ ممتدة، وأرواحٌ منهكة.
فهل صار العبورُ امتيازا؟
أو إنجازا؟
عدتُ، وقلبي مثخنٌ بخيبات حضارة “الموت” و”اليباب”،
عدت وضميري المأزوم يُحدثني ويقول:
هل في العمرِ بقيةٌ، فترى السليبة ترفل في نعيم الحرية؟

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading