يوميات معتقل سابق:  معاينات و مشاهدات من داخل السجن

26 مايو 2023

ذ . ادريس حيدر

قد يخيل للمرء أن السجن مؤسسة عمومية ، تهدف التربية و التهذيب و إعادة إدماج السجين على أسس سليمة .
إلا أن الواقع غير ذلك ، فالسجن المغربي عبارة عن سوق كبير لترويج كل المحذورات: المخدرات بأنواعها و أشكالها، الخمور المختلفة ، الأقراص…الخ.
و تُرَوَّجُ تلك الممنوعات بمشاهدة و مشاركة بعض الحراس ” المرتشون ” و بمباركة بعض الأفراد من الإدارة .
بل و يصل الأمر إلى أن بعض المعتقلين يصبحون ذوو سطوة و سلطة ، لكونهم امسوا تجارا في كل المحرمات و بجنون أرباحا مالية طائلة.
و هكذا التقيتُ في سجن ” لعلو ” سيء الذكر ، أحد أصدقاء الطفولة ، و كان يقضي عقوبة سجينة طويلة (20 سنة ) ، و صرح لي بأنه هو من طلب نقله من السجن المدني بطنجة لهذا السجن اللعين ، و أنه سيقيم فيه مؤقتا و سيطلب ثانية انتقاله مرة أخرى، إلى سجون أخرى، من أجل ترويج الممنوعات ، و أكد لي أنه يريد أن يُكَوِّنَ ثروة مالية مهمة تنفعه عند الإفراج عليه بعد قضائه لعقوبته و عند تقدمه في السن.
من جهة أخرى، فبعض موظفي السجن من حراس و غيرهم ، كانوا يسرقون كل ما اشتهته أنفسهم من أعطيات العائلات لأبنائها.
بل و منهم من كان يرغب في مقايضة توفير ظروف إقامة جيدة للمعتقلين و تقديم مساعدات لنساء العائلات أثناء الزيارة مقابل الجنس.
و طالما وقعت مشادات و فضح و إدانة و شجب من طرف نساء عائلات المعتقلين السياسيين لأولئك الذئاب ، الذين كانوا يحاولون التطاول عليهن أو الإساءة الأخلاقية لهن .
طبعا كل هذه الانحرافات كانت تتم من طرف بعض الحراس و موظفي الإدارة مقابل رشاوى أو ممارسة جنسية .
و كلما سولت نفس أحد الاعتراض أو مقاومة هذه السلوكات المقيتة ، يكون مصيره السجن داخل السجن أو ما يسمى ب ” كاشو ” cachot” .
و هي عقوبة داخلية ، حيث يعزل السجين عن باقي السجناء ، لمدة معينة في حجرة غير نظيفة و تفوح منها رائحة النتانة، مظلمة و حالكة ، و باردة ، ينام فيها المعتقل من دون غطاء ، خاصة في فصلي : الخريف و الشتاء و يُطعم فيها قليلا من الاكل ، و الذي غالبا ما يبعث على الغثيان .
و هي عقوبة رهيبة و لا إنسانية .
و لا يفوتني أن أسجل أن كثيرا من المعتقلين كانوا يتعرضون للاغتصاب ، بتحريض من الإدارة للفاعلين ، بغية كسر شوكة المناهضين منهم للظلم داخل القلاع الإسمنتية.
إن شريعة الغاب هي قانون السجن ، لكن و أمام كل هذه الممارسات الإجرامية و الظالمة ، كان المعتقلون السياسيون ينتفضون ضد كل أشكال الزيغ و يشجبونها عبر بيانات ، أو تهديدات للإدارة بخوض أشكال نضالية مختلفة كخوض إضرابات عن الطعام لوضع حد لكل تلك التجاوزات ، و كانوا بذلك لا يتخلون عن النضال بسبب قناعاتهم و إيمانهم القوي بقيم فضلى ، فكانوا إذن ، يناضلون داخل السجن و خارجه .

يتبع…

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading