
ذ . ادريس حيدر
قد يخيل للمرء أن السجن مؤسسة عمومية ، تهدف التربية و التهذيب و إعادة إدماج السجين على أسس سليمة .
إلا أن الواقع غير ذلك ، فالسجن المغربي عبارة عن سوق كبير لترويج كل المحذورات: المخدرات بأنواعها و أشكالها، الخمور المختلفة ، الأقراص…الخ.
و تُرَوَّجُ تلك الممنوعات بمشاهدة و مشاركة بعض الحراس ” المرتشون ” و بمباركة بعض الأفراد من الإدارة .
بل و يصل الأمر إلى أن بعض المعتقلين يصبحون ذوو سطوة و سلطة ، لكونهم امسوا تجارا في كل المحرمات و بجنون أرباحا مالية طائلة.
و هكذا التقيتُ في سجن ” لعلو ” سيء الذكر ، أحد أصدقاء الطفولة ، و كان يقضي عقوبة سجينة طويلة (20 سنة ) ، و صرح لي بأنه هو من طلب نقله من السجن المدني بطنجة لهذا السجن اللعين ، و أنه سيقيم فيه مؤقتا و سيطلب ثانية انتقاله مرة أخرى، إلى سجون أخرى، من أجل ترويج الممنوعات ، و أكد لي أنه يريد أن يُكَوِّنَ ثروة مالية مهمة تنفعه عند الإفراج عليه بعد قضائه لعقوبته و عند تقدمه في السن.
من جهة أخرى، فبعض موظفي السجن من حراس و غيرهم ، كانوا يسرقون كل ما اشتهته أنفسهم من أعطيات العائلات لأبنائها.
بل و منهم من كان يرغب في مقايضة توفير ظروف إقامة جيدة للمعتقلين و تقديم مساعدات لنساء العائلات أثناء الزيارة مقابل الجنس.
و طالما وقعت مشادات و فضح و إدانة و شجب من طرف نساء عائلات المعتقلين السياسيين لأولئك الذئاب ، الذين كانوا يحاولون التطاول عليهن أو الإساءة الأخلاقية لهن .
طبعا كل هذه الانحرافات كانت تتم من طرف بعض الحراس و موظفي الإدارة مقابل رشاوى أو ممارسة جنسية .
و كلما سولت نفس أحد الاعتراض أو مقاومة هذه السلوكات المقيتة ، يكون مصيره السجن داخل السجن أو ما يسمى ب ” كاشو ” cachot” .
و هي عقوبة داخلية ، حيث يعزل السجين عن باقي السجناء ، لمدة معينة في حجرة غير نظيفة و تفوح منها رائحة النتانة، مظلمة و حالكة ، و باردة ، ينام فيها المعتقل من دون غطاء ، خاصة في فصلي : الخريف و الشتاء و يُطعم فيها قليلا من الاكل ، و الذي غالبا ما يبعث على الغثيان .
و هي عقوبة رهيبة و لا إنسانية .
و لا يفوتني أن أسجل أن كثيرا من المعتقلين كانوا يتعرضون للاغتصاب ، بتحريض من الإدارة للفاعلين ، بغية كسر شوكة المناهضين منهم للظلم داخل القلاع الإسمنتية.
إن شريعة الغاب هي قانون السجن ، لكن و أمام كل هذه الممارسات الإجرامية و الظالمة ، كان المعتقلون السياسيون ينتفضون ضد كل أشكال الزيغ و يشجبونها عبر بيانات ، أو تهديدات للإدارة بخوض أشكال نضالية مختلفة كخوض إضرابات عن الطعام لوضع حد لكل تلك التجاوزات ، و كانوا بذلك لا يتخلون عن النضال بسبب قناعاتهم و إيمانهم القوي بقيم فضلى ، فكانوا إذن ، يناضلون داخل السجن و خارجه .
يتبع…