
الحروفية رجاء بن الخضر بن مصباح
وعكة صحية أصابتني وقتها وقبل فاجعة الفيضان ، منعتني كعادة الفنان الوقوف بجانب الأعمال كي لا أحدث وأبوح ، قبل الوقت المسموح .
وها قد حان لأفصح عن تفاصيل تجربة مرت معي يعود الفضل من بعد الله فيها لجمعية البحث التاريخي والإجتماع بالقصر الكبير .
محاولة مني البوح عن كرامة ربانية في نظري كانت تخبر بقدوم الفيضان ولم نلق لها بال ، سأتحدث عنها بصدق وأمانة ولو أن الأصل في الكرامات السر والكتمان .
الكرامة ليست أن نرى شخصا يمشي على الماء ، أو شخصا يطير في الهواء ،حتى يوهمنا أن له خوارق ومكاشفات.
وقد توسط العلماء في مواضع الكرامات بين الإفراط والتفريط ،ولم يتعلقوا باصحابها من دون الله، ولم يعتقدوا أنهم أحسن من غيرهم ، بل هناك من لم تجر الكرامات على أيديهم وهم أفضل منهم .
نعم بدأت بوادرها حين كنت وأنا أجتهد لأنجز الأعمال واللوحات التي طلب مني عرضها بمعرض كانت ستقيمه جمعية البحث التاريخي والإجتماعي بالقصر الكبير للكتب الوثائق والفنون ، ابتداء من تاريخ 26 دجنبر .. احتفظت بنسخة لصورة التصور الأولي الموضوع من طرف الجمعية للنشاط ،كنت قد تسلمتها حين استدعيت للإجتماع بأعضاء مكتبها الموقرين بخصوص ذلك بتاريخ 6/ 12/ 2025 .
لازلت أذكر ماقاله لي المؤرخ الباحث الأستاذ محمد أخريف رئيس جمعية البحث التاريخي والإجتماعي بخصوص مشاركتي الفنية الحروفية معهم ،حينها طلب مني أن أنجز أعمالا اجسد فيها وارسم.. صوامع..أضرح.. يعني بعض من معالم القصر الكبير .
بالطبع وبكل سرور وافقت ، استخرت الله بخضوع قبل الشروع .. دب الحماس.. بدأت نسائم التجليات التي لايفهمها إلا ذووا الألباب تهب ، لتكشف لنا من أسرار وأنوار الغيوب ، وتظهر جزء يسير مما كان مقدر علينا ومكتوب ، وجاء معها الفيض والإلهام ليخبر المتلقي و ليكون آلية لإقناعه أن هذا الأمر كان في الأزل ونزوله و الإخبار به قد يأتي من المولى إن شاء في لحظات .
في وقت قياسي أنجزت اللوحات … انتابتني الدهشة !! وأنا أراجع ما صنعته الريشة بالألوان !!
اضطربت نفسي تصبب العرق مني فجاء السؤال تلو السؤال ؟؟
لما كل هذه الانجرافات المتشكلة باللون الترابي هنا وهناك ؟!
عجبا المباني مغمورة والأزقة تتسلل إليها المياه !؟
ماعلاقة السفينة بالموضوع ؟؟ ومن أتى بالقوارب لتسبح في مدينتي وأنا المطلوب مني أن أبرز وأظهر في هذه المشاركة معالمها بجودة وإتقان؟؟
كيف سأشارك بمثل هذه الأعمال ؟؟؟
أحمل ريشتي ثانية وأحاول تغيير المواضيع تارة وتارة دفع المياه بالريشة خارج سطح العمل وتغييرها بالألوان، ثم تعود من جديد للظهور حول المباني والدور . استسلمت للأمر وفوضته لخالقي، وما مضت إلا أيام حتى جاء الفرج من الحرج ، مكالمة هاتفية تخبرني أن معرض جمعية البحث التاريخي والإجتماعي المقترح ثم إلغائه لظروف …
حمدت الله أن تحررت ريشتي التي من عادتها لا تقبل القيود والشروط في إبداعاتها .
خلاصة القول صادفنا اليوم العالمي للغة العربية نهاية 2025 وشاءت الأقدار أن تعرض تلك اللوحات في نفس التاريخ الذي كان مقررا لها حسب طلب الجمعية مع إضافة يوم، وبدأ العرض من 27 دجنبر إلى غاية 12 يناير 2026 بدعوة عااامة . حيث فتح رواق بن الخضر للفنون بالقصر الكبير أباوابه أمام المتلقي الذي اعتبر الحدث تظاهرة فنية ثقافية امتزجت بأشعار ومقاطع فنية موسيقية مع عرض للوحات … ولم يخطر على البال أن العرض إشعار بأن الفيضان كان على الأبواب .
وهنا تأتي الكرامة التي لم يلتفت لها أحد بمشاهد تشكيلية حروفية وخطية تنذر بقدوم الكارثة ، وفي آن واحد تطمئن الساكنة بالألطاف الربانية التي عايناها في الحدث الفني قبل أن نرى ونعيش واقعها في الطرقات ،و في بعض البيوت والفضاءات .
هذا الذي سبق الفاجعة أجزم أنه كرامة ربانية جائت لإقامة الحجة على أن مدينتنا وأهلها محفوفين مشمولين برعاية الله، تسخر لهم الأيادي والقلوب ،
وهذا ماحدث ولم نفطن له ..ورغم أن الحروف داخل بعض اللوحة كانت تنبه وترمز ف – ي – ض – ا – ن ، ولو كنا من خلال العرض بالرواق وما قدمه الأخوة والأصدقاء من نشر للحدث الفني على الصفحات تأملنا المشاهد في اللوحات وبالأخص اللوحة التي تحمل القصر وسط سفينة للنجاااة ، ماهاجرنا بيوتنا ولا أصلا غادرنا مدينتنا ، نسأل الله اللطف والسلامة للجميع.
للأسف أغلبنا لا يهتم بدور الفن البصري وما يقدمه في أغلب الأحيان ، ومازلنا لانعي أن الفنان يبصم فوق القماش ليؤدي دورا جوهريا يتجاوز مجرد عرض لوحات .
ومن هنا أقدم نداء لزيارة معارض الفنون البصرية داخل وخارج الوطن وعلينا أن ندقق ونغوص في الأعمال المعروضة أمامنا متجاوزين مظهرها الخارجي علنا نلتقط إشارات …