بنية السرد وممكنات الدلالة في قصة «القصراوي» لعبد الواحد الزفري

منذ 4 ساعات


عبد السلام دخان

يواصل الأستاذ عبد الواحد الزفري ترسيخ خصوصية صوته السردي، مستعيدًا مدينة القصر الكبير بوصفها فضاءً تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ والذاكرة الثقافية. ففي قصته «القصراوي»، المنشورة في «بوابة القصر الكبير» بتاريخ 25 أكتوبر 2026، تتجسد العلاقة الوجدانية بالمكان عبر شخصية شديدة التعلق بهويتها القصرية، تستحضر خصوصية المدينة وأعلامها في سياق تتقاطع فيه الذاكرة المحلية مع تحولات العالم المعاصر.
ومن خلال بناء الشخصية وتوظيف الحوار والسخرية، يستكشف الكاتب آليات تشكّل الهوية، وما ينطوي عليه الاعتزاز بالمكان من أبعاد وجدانية وثقافية. وتتحول الاستعدادات لتنظيم ندوة حول المدينة ورموزها إلى مادة سردية تكشف بعض مظاهر الحياة الثقافية المحلية، وتتيح مساءلة العلاقة بين الانتماء وتمثلاته الاجتماعية.
ويحمل العنوان «القصراوي» دلالة تتجاوز النسبة إلى المكان؛ فالشخصية المركزية تظل بلا اسم شخصي، ويُعرَّف صاحبها برئاسته جمعية «أصلاء القصر الكبير» وبانتمائه المعلن. وبذلك يغدو الفرد نموذجًا تتكثف فيه ملامح هوية جماعية. وتتردد هذه الهوية في المتن بصيغ لغوية مختلفة، من «قصري» في عبارته المأثورة «إن لم تكن قصريًا أنا مالي؟» إلى «قصراوية» في تحيته «رب أسرة قصراوية رحيمة»، بما يعكس حضور الانتماء في معجم الشخصية وخطابها.
ويُسنَد السرد إلى راوٍ مشارك يتكلم بضمير المتكلم، جامعًا بين موقعي الشاهد والمحاور. ويفتتح الحكاية بمشهد جماعي تحت شجرة «الواحة»، تتصدره عبارة «نبايع حديث المقاهي رسولًا بيننا». ويؤسس نقل معجم البيعة والرسالة إلى فضاء المقهى نبرةً ساخرة تهيئ القارئ لتلقي الشخصية ومواقفها. ثم يأتي الوصف الخارجي، الذي يجمع بين قصر القامة وشيب الرأس وسواد اللحية والتعنت المصحوب بهدوء الانفعال، ليبني صورة تقوم على التفاوت بين المظهر والسلوك. ويعزز هذا التفاوتَ التعبيرُ الذي يصف حضور الشخصية الدائم في المحافل والندوات والمحاضرات، «وحتى في صبيحات الأطفال»، حيث تنشأ المفارقة من الانتقال بين المقامات الثقافية المختلفة.
وتنتظم الحبكة في مشاهد متتابعة تبدأ بتقديم الشخصية، ثم إعلانها عن الندوة، فأسئلة الراوي المتعلقة بموضوعها وعدد المتدخلين وضبط الوقت، لتنتهي بإحالة الجلولي على حكاية «أنفلونزا الطيور». ويعتمد هذا البناء على اقتصاد واضح في عرض الأحداث، مع توظيف الحذف لإشراك القارئ في إنتاج المعنى. فبعد أن يذكر الراوي أنه أجاب ممازحًا، يحجب مضمون جوابه، وينتقل مباشرة إلى رد فعل الشخصية: «زفر زفرة عميقة وأمسك بأرنبة أنفه». وهكذا تحل الإشارة الجسدية محل الكلام، ويستدل القارئ على طبيعة الموقف من أثره في المتلقي. ويتنامى التوتر من خلال الحوار، ولا سيما حين يُسأل «القصراوي» عن كيفية التعامل مع المتدخلين الذين يتجاوزون الوقت المحدد. عندها يظهر انفعال غير مألوف، تعبّر عنه حركة إشعال السيجارة ونفث دخانها قبل الكلام. ويبلغ الموقف ذروته حين يعلن تخصيص عشر دقائق لكل متدخل من أصل خمسة وثلاثين مشاركًا، مع السماح لمن يرغب في مواصلة مداخلته بعد انتهاء الندوة حتى صلاة الفجر. وتكشف هذه الإجابة مفارقة تنظيمية واضحة؛ فالمجموع المحدد للمداخلات يبلغ خمس ساعات وخمسين دقيقة، قبل احتساب أي استطراد. ومن خلال تعليق الراوي بأن هذا التدبير «يتماشى وتصوره لتدبير نشاط هو الداعي إليه»، تتحول الملاحظة إلى سخرية خافتة من التفاوت بين الحماسة الثقافية ومتطلبات التنظيم العملي.
وتعتمد اللغة على فصحى سهلة تتخللها اختيارات أسلوبية تسهم في بناء النبرة الساخرة. ففي عبارة «يحبط آفاق انتظاراتك بهدوء الحملان» تتجاور مفردات ذات إيحاء نقدي مع صورة مألوفة، فيما تجمع عبارة «عصبيته البريئة» بين الانفعال وما يخفف من حدته. وتكشف تعبيرات مثل «من العيار القصري الوازن» و«الأصول القصرية التليدة» عن مبالغة تعزز اعتزاز الشخصية بمدينتها، بينما يستحضر سجلها الإداري، في عبارتي «وقّع سلفا على الالتزام» و«حد أقصى»، لغة التنظيم الرسمي داخل مشهد يومي. كما تضطلع الحركات الجسدية بوظيفة قريبة من الأداء المسرحي، إذ تكشف ما لا تصرح به الأقوال.
وتكتسب النهاية أهميتها من إحالتها إلى واقعة سابقة لا يروي النص تفاصيلها. فعندما يسأل الجلولي، صاحب رواية «الخوف»، عما إذا كان النشاط سيشبه حكاية «أنفلونزا الطيور»، ينفجر ضاحكًا، ويلتحق به الراوي في الضحك «دون أن أعرف السبب». ويضع هذا الموقف القارئ أمام حذف ثانٍ يوازي الحذف الأول: مزحة الراوي المحجوبة في بداية الحوار، وحكاية الجلولي الغائبة في نهايته. وفي الحالتين، يتولى رد الفعل الجسدي أو الجماعي الإشارة إلى كلام لم يُروَ، فتنبني جمالية الإضمار على ما يتركه النص خارج الحكاية بقدر ما تقوم على ما يصرح به.
وتتيح هذه العناصر قراءة القصة من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: الهوية المحلية التي تتجسد في تعلق الشخصية بمدينتها، والمفارقة الساخرة التي تكشف التفاوت بين الطموح الثقافي وآليات تدبيره، والضحك الجماعي الذي يعكس ذاكرة المقهى وعلاقاته الداخلية. أما اندماج الراوي في ضحكة الجلولي، على الرغم من جهله بسببها، فيكشف موقعه بوصفه جزءًا من الجماعة التي يصفها، ويضفي على السرد نبرة تجمع بين المشاركة والملاحظة الساخرة. وبهذا البناء المقتصد، يحوّل عبد الواحد الزفري مشهدًا مألوفا في مقهى إلى نص تتقاطع فيه تقنيات الحذف والحوار والمفارقة. وتنبع خصوصية «القصراوي» من تقديم الهوية المحلية موضوعًا للتخييل والتأمل، ومن رسم شخصية تجمع بين الاعتزاز بالمكان والمبالغة في تمثله، بما يتيح للقارئ استكشاف صورة الجماعة عن نفسها من خلال تفاصيل الحياة اليومية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading