كيف أكتب عنك بصيغة الغائب!؟

15 سبتمبر 2026

— الأسناذ : أحمد العبودي
لم أستوعب بعدُ أنني فقدتُ صديقي الغالي رشيدا.
أكتب هذه الكلمات، وأشعر أن يدي تتردد، كأنها لا تريد أن تصدق ما أود أن أقوله. كيف أكتب عنك يا رشيد؟ وكيف أقول: رحم الله رشيدًا، وأنت الذي كنتَ إلى وقت قريب واحدًا من أولئك الذين ألقاهم فأسعد بهم، وأجلس إليهم، وأسمع أصواتهم، وأطمئن إلى وجودهم…
إن أصعب ما في الموت ليس أن يغيب الإنسان، وإنما أن يترك فينا مكانًا لا يملؤه أحد.
وهذا هو مكانك يا رشيد.
رحلتَ، ولكنك لم ترحل وحدك؛ أخذتَ معك أشياء من أيامنا،ومن تلك الألفة التي كنا نظن أنها ستظل قائمة ما دمنا نحن قائمين.
ثماني سنوات تقريبًا، وأنا أراك واحدًا من أوفى إخواننا. ثماني سنوات من اللقاءات الأسبوعية ، من الكلمات، والابتسامات، والخدمات الصغيرة التي كنت تؤديها بمحبة مميزة، دون أن تنتظر التفاتة من أحد.
واليوم، حين أتخيل المجلس من دونك، أشعر أن في المشهد شيئًا ناقصًا.
يخيل إلي أنك ستدخل علينا ذات يوم، كما كنت تفعل، ثم تبتسم… لكني سرعان ما أكتشف أن ذلك لن يحدث. نعم ان يحدث
وهنا يكمن وجع الفقد.
كنتَ يا رشيد من أولئك الذين لا يحتاج حضورهم إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن يكونوا هناك حتى يشعر المكان بشيء من الأنس. كان حضورك قويا بقدر صمتك المهيب ، ولذلك فإن غيابك لن يكون شغور كرسيٍّ ، ولا غياب شخص عن موعد؛ سيكون غياب وجه ألفناه حتى صار جزءًا من ذاكرتنا.
أتذكر وفاءك لذلك الموعد الأسبوعي، وأتذكر أنك، حتى بعد انتقال أسرتك إلى طنجة، لم تجعل المسافة ذريعة للانقطاع ، وكأنك كنت تعرف ـ من حيث لا ندري ـ أن بعض الأشياء إذا فرّطنا فيها لا تعود.
وكنتَ محقًا.
فها نحن اليوم نعرف قيمة تلك اللقاءات أكثر مما كنا نعرف ها اليوم بعد ان اخذك القدر.
يا رشيد…
كم من الأشياء لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نفقد القدرة على استعادتها!
كنتَ بيننا، فكنا نطمئن إلى وجودك.
كنتَ تبتسم، فكننا نبتسم.
كنتَ تخدم إخوانك، فكنا نعدّ ذلك شيئًا طبيعيًا من أخلاقك.
وكنتَ تجلس معنا ، وكنا نظن أن الموعد سيتكرر دائمًا.
لكن الموت لا يستأذن أحدًا.
يأتي فجأة، فيقطع الجملة قبل تمامها، واللقاء قبل نهايته، والموعد الذي حسبناه مؤجلًا إلى الأسبوع المقبل.
أي قسوة هذه التي تجعل الإنسان يقول عن صديقه: كان معنا؟
يا رشيد، كنتَ صديقًا غاليًا، وكنتَ أخًا أحببناه دون تكلف. لم تكن علاقتنا بك علاقة عابرة تنتهي بانتهاء مجلس؛ كنتَ واحدًا من أولئك الذين دخلوا الذاكرة من باب المحبة، ثم استقروا فيها.
ولهذا فإنني لا أريد أن أقول عنك كلامًا كثيرًا مما يقال في الرثاء؛ لا أريد أن أعدد خصالك، ولا أن أصفك بما لا تحتاج إليه. يكفيني أن أقول:
لقد أحببناك.
وهذه، في حق بعض الناس، أعظم شهادة يمكن أن تُقال.
أحببناك لأنك كنت وفيًّا.
أحببناك لأنك كنت كريمًا في صمت.
أحببناك لأنك كنت حاضرًا حين ينبغي أن تكون حاضرًا.
أحببناك لأن صحبتك كانت مريحة للقلب.
وأحببناك، قبل ذلك كله، لأنك كنت واحدًا منا.
ولذلك فإنني اليوم لا أبكي رجلًا عرفتُه في مجلس فحسب؛ أبكي صديقًا صار غيابه حقيقة ثقيلة لا أريد أن أعتادها.
وسأظل، كلما جاء موعد مجلسنا، أتذكر أنك كنت هنا.
قد نجلس في المكان نفسه، وقد نتحدث في الموضوع نفسه، لكن شيئًا لن يكون كما كان.
ستكون أنت الغائب الحاضر.
سيكون لك في المجلس كرسي لا يراه أحد، ولكنه سيبقى ثابتا في ذاكرتنا.
وستكون لك ابتسامة لا نراها، ولكننا نتذكرها.
وسيكون لك صوت لا نسمعه، ولكننا سنظل نعرفه.
وهكذا يفعل الأحباب حين يرحلون:
يتركون أجسادهم خلفهم، ويقيمون في الذاكرة بكل سلام
يا رشيد…
لا أدري ماذا أقول لأهلك، ولا ماذا أقول لنفسي.
أعرف أن الموت حق، وأننا جميعًا إلى الله راجعون، وأعرف أن الدنيا عابرة، وأن البقاء لله وحده.
لكن معرفة الحقيقة لا تمنع وجعها.
نؤمن بالموت، نعم، وبكل يقين
ولكننا نتألم حين يموت من نحب.
وهذا هو كل ما أستطيع أن أقوله الآن.
رحمك الله يا رشيد رحمة تليق بسعة رحمته.
وأسأله سبحانه أن يربط على أهلك وذويك وأن يمنحهم من الصبر ما يليق بفقد رجل أحببناه جميعًا، وأن يجعلهم امتدادًا صالحًا لأثرك الطيب.
أما أنا، فسأحتفظ بك في المكان الذي لا يستطيع الموت أن ينتزعك منه: في القلب.
وحين أقول بعد اليوم: رحم الله رشيدًا، سأعرف أنني لا أتحدث عن رجل مضى وانتهى، وإنما عن صديق ترك وراءه شيئًا من روحه فينا.
يا رشيد…رحمك الله.
ويا ليت الموت كان يأخذ منا الأحباب، ثم يعيدهم إلينا بعد أن يعلّمنا قيمة وجودهم.
لكنه لا يفعل.
لذلك لا نملك إلا أن نقول، والدمع في العين، والحسرة في القلب:
“إنا لله وإنا إليه راجعون.”
رحمك الله يا صديقي الغالي،
وغفر لك، وأكرم نزلك، ووسع مدخلك، وجمعنا وإياك في دار لا فراق فيها.

@ أحمد العبودي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading