
متابعة :
هذا الكتاب ليس مجرد إصدار جديد في سلسلة قانون السير، بل هو ثمرة تجربة علمية وقضائية ممتدة عبر عقود، حين صدرت طبعته الأولى سنة 1975، ثم أعيد نشره سنة 1981، قبل أن يتوقف بفعل انشغالات مهنية ومسارات عمل متعددة للأستاذ. واليوم يعود هذا المؤلف في طبعته الثالثة، ليس بوصفه إعادة طبع، بل باعتباره إعادة إحياء لفكر قانوني ظل متجدداً بتجدد الواقع الذي يحكمه، وليعيد طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: كيف يمكن أن نحمي الإنسان على الطريق؟وينبثق هذا العمل من مسار علمي رائد بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، كما سبق ذكره، حين كان المؤلف من أوائل من وضعوا أسس تدريس قانون السير في المغرب باللغة العربية، في وقت لم يكن فيه هذا المجال قد نال بعدُ مكانته العلمية المستقلة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح هذا المؤلف مرجعاً معتمداً في التكوين القضائي والإداري، وأداة لفهم قواعد السير في بعدها القانوني والتطبيقي.لكن أهمية هذا الكتاب لا تُقاس فقط بجذوره التاريخية، بل بقدرته على التجدد والاستجابة للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والقانون معاً. فهو يعود اليوم استجابة لطلب ثلة من القضاة والمحامين والنقباء، ليعيد فتح ملف حوادث السير في ضوء التحولات الكبرى التي عرفها التشريع المغربي، خصوصاً مع مدونة السير الحديثة وما رافقها من مستجدات جوهرية، سواء على مستوى تنظيم حركة السير أو على مستوى آليات الزجر والمراقبة، من خلال اعتماد نظام النقاط في رخصة السياقة، وتحديث وسائل ضبط المخالفات، وإدماج البعد التربوي في مجال السلامة الطرقية، إلى جانب تنظيم أكثر دقة لمجال تعليم السياقة.غير أن القيمة الحقيقية لهذا المؤلف تتجاوز الإطار القانوني الصرف، لتصل إلى لبّ الإشكال الإنساني: فالحادثة ليست مجرد واقعة تقنية أو قانونية تُسجَّل في محضر، بل هي في الغالب انعكاس مباشر للسلوك البشري. وتشير المعطيات إلى أن الإنسان يظل المسؤول الأول عن أكثر من 80% من حوادث السير. من هنا تتضح رسالة الكتاب: القانون لا يكفي وحده، بل لا بد من وعي قانوني حيّ يلامس سلوك المواطن ويعيد تشكيل علاقته بالطريق.وبما أن دستور 2011 أضاف بعداً جديداً، حين كرّس مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب، بمجرد نشرها، مما أحدث تحولاً مهماً في مصادر القانون الوطني وأعاد رسم العلاقة بين التشريع الداخلي والنظام القانوني الدولي.ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية التي يعالجها هذا الكتاب، حيث لم يعد قانون السير مجرد قانون وطني محلي، بل أصبح منظومة مزدوجة المصدر تستمد قواعدها من التشريع الداخلي ومن الاتفاقيات الدولية في آن واحد. وهو ما يفرض ضرورة فهم هذا التداخل الدقيق بين النظامين، خاصة في حالات السير الدولي أو عند تطبيق القانون الأجنبي على حوادث وقعت داخل التراب الوطني.وفي هذا السياق، يسلط الكتاب الضوء على مرجعيات دولية أساسية، من بينها اتفاقية فيينا لسنة 1968 المتعلقة بالسير على الطرق، واتفاقية لاهاي لسنة 1971 بشأن القانون الواجب التطبيق على حوادث السير، مع محاولة تفكيك مجالات تقاطعها مع القانون الوطني، وبيان الحالات التي يقتضي فيها الأمر اللجوء إلى القواعد الدولية قبل القواعد الداخلية.ولا يقف المؤلف عند حدود التشخيص، بل يتجه نحو المستقبل، حيث يسلط الضوء على تحديات جديدة تفرضها وسائل النقل الحديثة، مثل التروتنيط ودراجات الدوس الكهربائية، التي أصبحت واقعاً يومياً يسبق التشريع في كثير من الأحيان، ويطرح أسئلة قانونية مفتوحة لا تزال في طور التشكل.وما يميز هذا الكتاب أيضاً هو طابعه التطبيقي الدقيق؛ إذ لا يكتفي بالتحليل النظري، بل يرافق القارئ بنصوص قانونية محينة، وملحقات مرجعية، ورسوم توضيحية لحوادث واقعية، تجعل منه مرجعاً عملياً متكاملاً لفهم قانون السير في مختلف أبعاده.في النهاية، لا يقدم هذا المؤلف مجرد شرح للقانون، بل يقدم رؤية كاملة لإعادة التفكير في ثقافة الطريق نفسها. إنها دعوة هادئة لكنها عميقة، لأن يصبح القانون أكثر قرباً من الإنسان، لا بوصفه وسيلة للعقاب، بل كأداة لحماية الحياة، وتقليل الخسائر، وصناعة طريق أكثر أماناً للجميع.
بقلم ريان ججة.