معرض الكتاب في قفص الاتهام.

7 مايو 2026
Oplus_131072

ذ. إلياس طلحة، باحث في القانون الإداري والعلوم السياسية.

يشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، محطة ثقافية بارزة، لا يمكن اختزالها في جولة عابرة بين الأروقة، بل تفرض نفسها كتجربة فكرية تستدعي النقاش، خصوصا أمام الانتقادات التي تحصره في كونه فضاء “للصور واللقاءات” بدل كونه معرضا للكتاب.

هذا الطرح، في نظري، يجانب الصواب إلى حد بعيد.

أول ما ينبغي توضيحه، أن الحكم على معرض بهذا الحجم من خلال زيارة ليوم واحد فقط، هو حكم قاصر بطبيعته.

فالمعرض ليس مكتبة صغيرة يمكن الإحاطة بمحتوياتها في ساعات، بل هو فضاء واسع يضم مئات دور النشر من داخل المغرب وخارجه، ويحتاج الزائر فيه إلى تخطيط مسبق، وإلى زيارات متكررة، حتى يتمكن من الوصول إلى مبتغاه من الكتب والمراجع.

في تجربتي الشخصية، خصوصا كباحث في المجال القانوني، يشكل المعرض فرصة استثنائية لتجميع عدد كبير من المراجع في وقت وجيز.

فبدل البحث المضني عن كتاب في مدينة بعيدة، أو الاعتماد على وسطاء لإرساله بتكلفة مادية ومعنوية، يتيح المعرض إمكانية الوصول المباشر إلى دور النشر، والتنقل بينها بسهولة، والظفر بالكتب المطلوبة في دقائق.

هذه الدينامية تختصر الوقت والجهد، وتُحوّل عملية البحث العلمي من عبء إلى متعة.

أما الادعاء بأن “المعرض بلا كتب”، فهو تعميم غير دقيق.

قد يحدث – استثناء – أن لا يجد زائر كتابا معينا، لكن الاستثناء لا يُبنى عليه حكم عام، القاعدة أن أغلب الزوار يجدون ضالتهم، بل ويكتشفون كتبا لم تكن ضمن حساباتهم، وهو ما يعزز قيمة المعرض كفضاء للاكتشاف المعرفي، لا فقط للاقتناء المسبق.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد الإنساني والثقافي الذي يوفره المعرض، من خلال إتاحة الفرصة للقاء مباشر مع كتاب ومفكرين وصحفيين من مختلف المشارب، وهي فرصة نادرة قد لا تتكرر خارج هذا الإطار.

شخصيا، كان من بين أبرز لحظات زيارتي للمعرض، لقائي بالصحفي “طلحة جبريل”، حيث أتاح لي هذا اللقاء مناقشة أفكار وأسئلة لم أجد لها جوابا في كتبه أو مقالاته، كان حوارا حيا، كشف لي جوانب إنسانية وفكرية لا تُدرك عبر القراءة فقط، وهو ما يمنح للمعرض قيمة مضافة تتجاوز رفوف الكتب.

أما بخصوص الأسعار، فالرائج عكس ما يُشاع، فالكتاب، في الغالب، يُعرض بنفس الثمن المحدد من طرف الناشر، بل إن العديد من الدور تقدم تخفيضات قد تصل إلى 10% أو أكثر، وهو ما يجعل المعرض فضاء مناسبا للاقتناء، وليس عبئا ماديا كما يُروّج البعض.

صحيح أن أي تظاهرة بشرية لا تخلو من نقائص، ومعرض الكتاب ليس استثناء، لكن النقد، لكي يكون منتجا، ينبغي أن يكون موضوعيا وبنّاء، لا أن يتحول إلى أحكام جاهزة أو مواقف مسبقة، قد تكون أحيانا بدوافع غير معرفية.

في المحصلة، يظل المعرض الدولي للكتاب في نظري، موعدا ثقافيا بارزا، وفرصة حقيقية للقاء الفكر بالواقع، ولربط القارئ بالمصدر، والباحث بالمعلومة، والإنسان بالإنسان.

ومن ثَمّ، فإن الإنصاف يقتضي النظر إليه باعتباره فضاء للإمكانات، لا ساحة للاختزال.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading