أصوات لا تخفيها الجدران: حين تكلم عزام صمتت الصور النمطية عن التوحد)

منذ 3 ساعات


ذ.محمد الشدادي

الإهداء
(( إلى كل أسرة تحتضن طفلا من أطفال التوحد،
إلى كل قلب خفق بالحب لكنه كبّله الخوف من كلام الناس،
إلى كل عين أغمضت طفلها عن العالم، ظنا أنه مختلف، بينما هو يحمل في داخله نورا لا ينطفئ.
نهدي هذه القصة إلى عزام، الذي هو كل طفل من أطفال التوحد، رمز العزيمة والتحدي، وصوت البراءة الذي يذكرنا أن الاختلاف ليس فيهم، بل في نظرتنا إليهم.
نهديها إلى أعضاء جمعية كرامة لإدماج الأطفال التوحديين بالقصر الكبير الذين مدوا أياديهم البيضاء، وأعادوا رسم ملامح الأمل في وجوه الأطفال والأسر، وإلى رئيسها الشهم هشام، الذي بدأ من الصفر، لكنه بعزمه وإصراره شق الطريق، وسلط الضوء على التوحد، وطرق أبواب المؤسسات، حتى أصبحت الجمعية اليوم منارة للتوعية والدعم.
هذه القصة ليست مجرد حكاية بل دعوة لإحياء الوجدان، لنبذ الخجل، وللتخلص من الإحساس بالنقص.
إن أطفال التوحد ليسوا عيبا ولا عبئا، بل هم أمانة ونعمة، يستحقون أن نحتفي بهم، وأن نفتح لهم أبواب الحياة بلا خوف ولا وصمة)).
………………….
في بيت تغمره المحبة، كانت الأسرة تعيش حياة عادية، تقضي معظم عطلها على الشواطئ والمنتزهات، يملأ الضحك والسعادة أجواءهم. كانوا ينتظرون قدوم المولود الجديد بشغف، يظنون أنه سيزيد حياتهم بهجة.
لكن حين ولد عزّام، تغير كل شيء. بدا في نظر أسرته مختلفا عن إخوته، ومع مرور الأيام ظنوا أنه لا يشبههم، فانعزلوا به عن المجتمع، بينما الحقيقة أنه لم يكن أقل منهم، بل كان يحمل في داخله نفس البراءة والقدرة على الإبداع.
أصبحت فكرة السفر أو التنزه معا من المستحيلات. كانت الأم دائمًا تفضل البقاء في البيت معه، تخشى أن يراه الناس أو يتحدثوا عنه. حتى حين يحل الضيوف، كانت الأسرة تخفيه عنهم، فإذا سألوا عنه قالوا: إنه في الروض، أو خرج مع إحدى أخواته، أو بلعب بالخارج.. وإذا طال جلوس الضيوف، كانت الأم تعطيه شرابا مهدئا ليغفو بسرعة، حتى لا يحدث ضوضاء أو يظهر أمامهم.

كان عزام يقضي معظم وقته أمام التلفاز، يتابع برامج الأطفال بشغف. يضحك حين يراهم يركضون بين الحقول والحدائق، ثم يسكت فجأة وهو يتساءل في داخله: لماذا لا أكون مثل هؤلاء؟ لماذا لا ألعب وأجري مثلهم؟
لم يكن يعرف شيئا عن العالم خارج البيت، سوى ما تنقله الشاشة. وكان التلفاز نافذته الوحيدة إلى الحياة، لكنه ظل يشعر أن هناك شيئا ينقصه.
في أحد الأيام، نظمت جمعية كرامة لإدماج الأطفال التوحديين نشاطا تحسيسيا حول طيف التوحد داخل إحدى المؤسسات التعليمية، بتعاون مع أحد النوادي. حضرت أخته أمل هذه الأنشطة، أُعجبت بما رأت: أطفال من ذوي التوحد يشاركون في الرسم والمسرح والإنشاد وإلقاء الكلمات، يبدعون أمام الجميع بلا خوف ولا خجل.
حينها أدركت أمل أن أسرتها ترتكب أكبر ظلم في حق أخيها عزام، إذ تحرمه من أبسط حقوقه في الظهور والمشاركة. وفي نهاية الأنشطة، اقتربت من رئيس الجمعية وسألته عن عنوانها، وأخبرته بصدق أن لها أخا من ذوي التوحد يحتاج إلى أن يكون جزءا من هذه الأنشطة.
فتحت أمل الصفحة الفايسبوكية للجمعية، وبدأت تتصفح الصور والفيديوهات التي توثق أنشطتهم: أطفال يرسمون، يمثلون على المسرح، ينشدون، ويلقون كلمات بكل ثقة. جلست الأم وباقي أفراد الأسرة بجانبها، يتابعون ما تعرضه الصفحة. كانوا مذهولين من قدرات هؤلاء الأطفال، وكيف اندمجوا في المجتمع بشكل طبيعي، بل إن بعضهم تفوق حتى على من نسميهم “الأطفال الأسوياء”.
حينها شعر الجميع بالندم والحسرة على السنوات التي ضيعوها من حياة عزام، وهو يعيش في عزلة داخل البيت، محروما من أبسط حقوقه في المشاركة والاندماج. أدركوا أن خوفهم من كلام الناس كان أكبر ظلم ارتكبوه في حقه، وأن الوقت قد حان ليعيش عزام حياته كباقي الأفراد، لا في عزلة ولا في خفاء.
تواصلت الأم مع رئيس الجمعية، فحدد لها موعدا لزيارة المقر رفقة عزام. يوم الزيارة، كانت الأم مثقلة بالحزن والندم، لكنها مضت بخطوات مترددة. وما إن دخلت الجمعية حتى فوجئت بعدد كبير من الأطفال الذين تسهر الجمعية على تعليمهم وتدريبهم، ليتمكنوا من الاندماج في المجتمع. الأكثر إدهاشا أن أغلب من يستقبل الزوار ويعرفهم على أروقة الجمعية وأقسامها هم أطفال من ذوي التوحد أنفسهم، بابتساماتهم وثقتهم التي كسرت كل الصور النمطية.
ارتاحت الأم لهذا الاستقبال، وجلست تستمع لرئيس الجمعية وهو يقص عليها قصصا عن أطفال كانت حالتهم أصعب من حالة عزام، لكن مع استمرارهم في الاستفادة من برامج الجمعية، تقدموا ونموا نموا طبيعيا، بل إن بعضهم تعلموا مهنا وأصبحوا مستقلين، يوفرون حاجياتهم بأنفسهم، ومنهم من فتح مساكن وأسس أسرا يعيشون حياة طبيعية كغيرهم.
في اليوم الأول لانضمامه إلى الجمعية، شارك عزام في نشاط الرسم، ثم في الإنشاد، وأدهش الحضور ببراءته وإبداعه. وفي نشاط كبير بالحديقة المقابلة لدار الثقافة، وقف أمام الجميع ليلقي كلمة باسم الجمعية. رحب بالحضور، وختم حديثه برسالة مؤثرة دعا من خلالها الأسر إلى عدم ظلم أطفال التوحد، مؤكدا أنهم أمانة الله ونعمة تستوجب الحمد والشكر.
دوى التصفيق في الساحة، وأعلنت الجمعية تكريم عزام بجائزة أحسن إلقاء، تحت الأضواء الزرقاء التي غمرت المكان، رمزا للأمل والوعي والاندماج.
في نهاية الحفل، طلبت الأم أن تلقي كلمة أمام الحضور، سلمها رئيس الجمعية الميكروفون، فقصت قصتها مع عزام، وكيف عاش سنوات في عزلة بسبب خوفها من المجتمع. ثم شكرت الجمعية ورئيسها الشهم الذي بدأ من الصفر، لكن بإصراره وعزمه جعل الجمعية من أبرز المؤسسات التي سلطت الضوء على التوحد، ونسقت مع جمعيات أخرى، حتى أصبحت اليوم تحظى بالدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وفي ختام شهادتها، طلبت من ابنتها أمل أن تسلم الرئيس هدية رمزية أحضرتها معها، وهي عبارة عن صورة له وهو يشق طريقه وسط أمواج البحر ومياهه الزرقاء، رمزا لمسيرته في العبور بأطفال التوحد إلى شاطئ النجاة.
لم تتوقف رحلة أمل عند دعم أخيها فقط، بل إن مشاركتها مع الجمعية في تأطير الأطفال جعلتها تختار دراسة تخصص علم النفس في دراستها الجامعية، لتفهم أكثر عالم التوحد، وتساهم في خدمة هذه الفئة. وها هي اليوم تُعد رسالة الدكتوراه بعنوان: “أطفال التوحد بين الإدماج الاجتماعي والتمكين النفسي: دراسة ميدانية في ضوء التجارب الجمعوية”. بهذا، أصبحت أمل رمزا للأمل والتغيير، فهي لم تكتف بأن تكون صوتا داخل أسرتها، بل اختارت أن تكون باحثة تحمل رسالة علمية وإنسانية.
قصة عزام تظهر أن الأسرة لم تكن ترى الحقيقة، بل كانت تظن أنه مختلف عن إخوته. بينما الواقع أنه طفل مثلهم، يحمل نفس البراءة والقدرة على الإبداع. الخوف من كلام الناس حرمه من أبسط حقوقه، لكن حين منح الفرصة، أبدع وتفوق وأصبح صوتا مسموعا.
اللون الأزرق الذي أضاء ساحة دار الثقافة لم يكن مجرد زينة، بل كان إعلانا بأن أطفال التوحد جزء من المجتمع، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأنهم نعمة تستحق أن يحتفى بها.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading