
بقلم : حمزة الصمدي :
ينظر إلى الثقافة في كثير من مدن الجوار، بوصفها قطاعا منتجا، تضخ فيه الاستثمارات كما تضخ في الصناعة والتجارة، والقطاعات الحيوية الاخرى، لأن التجارب أكدت أن عائدها أصبح يقاس بالأرقام، وتعدى زمن الرمزية والأبعاد الأخرى، لقد أصبحت قادرة على خلق مناصب شغل، وإنعاش الحركة السياحية، و دعم المشاريع الناشئة، وتغذية الأسواق من الإبداع.
إن “الصناعات الثقافية”، كما أورده كمفهوم الدكتور محمد عباس، في أطروحته الموسومة “بالصناعات الثقافية وبناء الاقتصاد الإبداعي”؛ تبلورت بإدماج البعد الاقتصادي في المجال الثقافي، قامت على فكرة بسيطة وذكية، هي أن الإبداع يمكن أن يباع، ويستثمر، ويدر أرباحا، فتطورت إلى ما يعرف بالصناعات الإبداعية، حيث تصبح المادة الإبداعية غير المادية نفسها مادة أولية، وسلعة فنية وثقافية، ورأس مال قابل للتداول.
على بعد كيلومترات معدودة من مدينتنا، استطاعت مدن أن تجيد تحويل عرض مسرحي واحد، مثلا، إلى دورة اقتصادية مصغرة، فالعرض المسرحي ينتجه فريق، والفريق به تقنيون، ممثلون، مصممو أزياء، مطابع، مقاه تستقبل الجمهور، ونقل ينتعش في ليلة واحدة. مثال آخر: مهرجان صغير قادر على إيقاظ مدينة بأكملها، ولو موسميا، وإقناعها بأن الفن يمكن أن يكون خبزا يوميا بنكهة جمالية، هذا بالظبط ما يقع في هذه المدن، التي استطاعت أن تفهم الثقافة كاستثمار طويل الأمد، كبناء تاريخي ممتد، يمكن أن نعده من “الأولويات”.
أما في مدينتنا، القصر الكبير، فيبدو أن هذا الكلام يعتبر ضربا من الخيال، رغم أنها مدينة تملك طاقات فنية حقيقية، وشباب يصر على خلق المعنى من العدم، ثم تقابل كل هذه الحيوية بسياسة تقوم على إغلاق الفضاءات وترك المفاتيح تصدأ، دار الثقافة مغلقة، المركز الثقافي غائب، دور الشباب لا تستوعب طموحات وأحلام المدينة، مما يدفع جل المبادرات دفعا نحو الهامش، ظنا أن الثقافة لا تستحق كل هذا الاهتمام.
أي اقتصاد ثقافي يمكن أن ينشأ في مدينة تددار فيها الثقافة بمنطق -اتركوه حتى يختفي-؟ وأي صناعة إبداعية يمكن أن ترى النور في بيئة تعامل الفنان ككائن زائد عن الحاجة؟ كضال سيهديه الله.
بدل أن تتحول الثقافة إلى مورد اقتصادي يخلق حركية ورواج، جرى تحويلها إلى ملف مؤجل، ثم إلى عبء، ثم إلى صمت كامل، وهكذا تهدر فرصة تلو الأخرى، بينما العالم من حولها يبيع الفكرة قبل أن تكتب، ويستثمر في الحلم قبل أن يرى.
علينا ان نتحمل النتيجة الواضحة والحتمية، وهي واقعنا اليوم، اقتصاد محلي يفتقد إلى أحد أهم روافده، ومدينة تصر على البقاء خارج اللعبة، تراقب من بعيد كيف تتحول الثقافة إلى ذهب في أماكن أخرى، بينما تترك هنا لتتحول إلى غبار.
على الجميع تحمل مسؤوليته، المثقفون، الفنانون، الوزارة الوصية على القطاع الثقافي، المجالس والهيئات المنتخبة…