
ذ : ادريس حيدر
…أُدْخِلْتُ و صديقي و معتقلين آخرين إلى إحدى الغرف ذات المساحة الكبيرة .
كانت باردة و مُظلمة و يسودها صمت رهيب ، و أدركتُ بعد وقت قصير أن هناك في نفس المكان أشخاص آخرون ، و فيما بعد سأعرف أنهم معتقلون مثلي .
كان المكان يشهد حركة غير عادية ، و لم نكن و رفاقي نعلم سبب ذلك ، و قضينا اليوم كله على ذلك الحال .
و في المساء و لم نكن نعلم التوقيت ، سمعنا موسيقى النشيد الوطني تُعزَف ، و اعتقدنا أن الملك ربما سَيُلقي خطابا ، إلا أننا لم نعرف المناسبة ، خاصة و أن الزمان كان بداية يناير الذي لا يصادف أي مناسبة وطنية باستثناء 11يناير ذكرى المطالبة بالاستقلال و لم يكن هو ذلك اليوم .
و بالفعل بدأ الملك يوجّه خطابه إلى الشعب المغربي .
لم يكن صوته يصلنا بوضوح ، و بعد إتمامه عزف النشيد ثانية .
و فجأة ، اقتحم المسؤولون الأمنيون تلك الغرفة ، و وضعوا خرقا متسخة على أَعْيُنِنا ، لكي لا نتمكن من معرفة الأشخاص الذين سيباشرون الاستنطاق معنا .
و فهمنا و كأن الخطاب الملكي كان إيذانا بفتح أبواب جهنم في وجه المعتقلين .
بدأ رجال المخابرات الذين يُسَمَّون ب ” الحجاج” يسوقونهم الواحد تلو الآخر إلى قبو .
المكان كان عبارة عن مجزرة بشرية .
كان فضاءه رهيبا و موحشا بظلمته و برودته .
هناك انطلق تعذيبنا مباشرة بعد خطاب الملك الذي نعت فيه شعبه ب ” الأوباش ” .
و كأنني به أعطى الضوء الأخضر بالشروع في اعتقالات واسعة وسط النشطاء السياسيين و ممارسة التعذيب و الوحشية عليهم .
هناك استمرّ سحلنا ، تعذيبنا ، و إهانتنا لمدة ليست بالقصيرة ، و كان الجلادون في أغلب الأوقات في حالة سكر أو تخدير ، حيث كانت أنفاسهم نتنة و تنبعث منها روائح الكحول ، و كان جل كلامهم بذيئا و ساقطا ، يتضمن كلمات مهينة بكرامة الإنسان و احتقارا و قتلا لإنسانيّته .
كانت حصص التعذيب متنوعة ، تتم أحيانا بالصعق الكهربائي في المناطق الحساسة كالجهاز التناسلي ، أو غطس رؤوس المعتقلين في براميل غصت بمياه نتنة مخلوطة بالبول ، يجبر الجلادون ضحاياهم على بلع كميات لا بأس بها منها ، و أحيانا أخرى يتم التعذيب باستعمال ما اصطلح عليه ب ” الطيارة ” ، و هي آلية من آليات التعذيب الفتاكة .
توالت حصص التعذيب ، و مكثتُ صحبة رفاقي هناك لمدة طويلة ، أيادينا مكبلة ، و أعيننا معصوبة ، مفترشين الأرض رغم أيام فصل الشتاء الباردة ، و كل هذه الطرق كانت لا تتم إلا مصحوبة بالتعذيب النفسي خاصة أثناء اقتيادنا إلى المراحيض من أجل قضاء حاجتنا .
انتفخت أجسامنا بفعل البرد القارس ، و طال شعر لحانا و رؤوسنا .
أخيرا صدر الأمر ، بعد أن طُبِخت الملفات و لُفِقت التهم ، بإحالتنا على المحكمة من أجل إجراء محاكمة صورية .
و على باب مبنى المحكمة مكثنا وقوفا لفترة كنا نبدو خلالها كأننا خرجنا للتو من أحد الكهوف بألبسة رثة ، و وجوه متسخة ، و أجساد منتفخة بفعل البرودة المفرطة .