مقتطف من يوميات :” حين يصمتُ الجدار “.

منذ 3 ساعات
Oplus_131072

ذ : ادريس حيدر

…أُدْخِلْتُ و صديقي و معتقلين آخرين إلى إحدى الغرف ذات المساحة الكبيرة .
كانت باردة و مُظلمة و يسودها صمت رهيب ، و أدركتُ بعد وقت قصير أن هناك في نفس المكان أشخاص آخرون ، و فيما بعد سأعرف أنهم معتقلون مثلي .
كان المكان يشهد حركة غير عادية ، و لم نكن و رفاقي نعلم سبب ذلك ، و قضينا اليوم كله على ذلك الحال .
و في المساء و لم نكن نعلم التوقيت ، سمعنا موسيقى النشيد الوطني تُعزَف ، و اعتقدنا أن الملك ربما سَيُلقي خطابا ، إلا أننا لم نعرف المناسبة ، خاصة و أن الزمان كان بداية يناير الذي لا يصادف أي مناسبة وطنية باستثناء 11يناير ذكرى المطالبة بالاستقلال و لم يكن هو ذلك اليوم .
و بالفعل بدأ الملك يوجّه خطابه إلى الشعب المغربي .
لم يكن صوته يصلنا بوضوح ، و بعد إتمامه عزف النشيد ثانية .
و فجأة ، اقتحم المسؤولون الأمنيون تلك الغرفة ، و وضعوا خرقا متسخة على أَعْيُنِنا ، لكي لا نتمكن من معرفة الأشخاص الذين سيباشرون الاستنطاق معنا .
و فهمنا و كأن الخطاب الملكي كان إيذانا بفتح أبواب جهنم في وجه المعتقلين .
بدأ رجال المخابرات الذين يُسَمَّون ب ” الحجاج” يسوقونهم الواحد تلو الآخر إلى قبو .
المكان كان عبارة عن مجزرة بشرية .
كان فضاءه رهيبا و موحشا بظلمته و برودته .
هناك انطلق تعذيبنا مباشرة بعد خطاب الملك الذي نعت فيه شعبه ب ” الأوباش ” .
و كأنني به أعطى الضوء الأخضر بالشروع في اعتقالات واسعة وسط النشطاء السياسيين و ممارسة التعذيب و الوحشية عليهم .
هناك استمرّ سحلنا ، تعذيبنا ، و إهانتنا لمدة ليست بالقصيرة ، و كان الجلادون في أغلب الأوقات في حالة سكر أو تخدير ، حيث كانت أنفاسهم نتنة و تنبعث منها روائح الكحول ، و كان جل كلامهم بذيئا و ساقطا ، يتضمن كلمات مهينة بكرامة الإنسان و احتقارا و قتلا لإنسانيّته .
كانت حصص التعذيب متنوعة ، تتم أحيانا بالصعق الكهربائي في المناطق الحساسة كالجهاز التناسلي ، أو غطس رؤوس المعتقلين في براميل غصت بمياه نتنة مخلوطة بالبول ، يجبر الجلادون ضحاياهم على بلع كميات لا بأس بها منها ، و أحيانا أخرى يتم التعذيب باستعمال ما اصطلح عليه ب ” الطيارة ” ، و هي آلية من آليات التعذيب الفتاكة .
توالت حصص التعذيب ، و مكثتُ صحبة رفاقي هناك لمدة طويلة ، أيادينا مكبلة ، و أعيننا معصوبة ، مفترشين الأرض رغم أيام فصل الشتاء الباردة ، و كل هذه الطرق كانت لا تتم إلا مصحوبة بالتعذيب النفسي خاصة أثناء اقتيادنا إلى المراحيض من أجل قضاء حاجتنا .
انتفخت أجسامنا بفعل البرد القارس ، و طال شعر لحانا و رؤوسنا .
أخيرا صدر الأمر ، بعد أن طُبِخت الملفات و لُفِقت التهم ، بإحالتنا على المحكمة من أجل إجراء محاكمة صورية .
و على باب مبنى المحكمة مكثنا وقوفا لفترة كنا نبدو خلالها كأننا خرجنا للتو من أحد الكهوف بألبسة رثة ، و وجوه متسخة ، و أجساد منتفخة بفعل البرودة المفرطة .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading