
الأستاذ :عبد الغني الشدادي
في مركز الإيواء المؤقت بإحدى المدن القريبة من مدينة القصر الكبير، كان سليم ينام جيداً لأول مرة. القاعة واسعة، والغطاء أثير، والهمس لا يتوقف. وحين يسحب الطفل بطانيته حتى ذقنه، يتشكل حوله عالم صغير، مغلق بإحكام، لا يتسلل إليه الهواء البارد ولا الأصوات الحادة، وإنما أصوات بشرية خافتة. كأن الليل صار أقل وحشة. لا أبواب تُصفق فجأة ولا خطوات ثقيلة تقترب من غرفته، ولا صحن يرتطم بالجدار فيرتجف قلبُه قبْله.
في البيت، كان يعرف جدول الغضب بدقة. صوت المفتاح في القفل عند المساء يعني أن عليه أن يصغر، أن يختفي داخل نفسه، وأن يحبس أنفاسه حتى تمرّ العاصفة.
وفي المدرسة، كان عليه أن يكبر أكثر مما ينبغي. أن يفهم بسرعة. أن يجيب حين يُسأل، حتى لو لم يفهم السؤال. الأستاذ لا يحب المتعثرين، والتلاميذ يضحكون ممن يتلعثم. وكان صوته يتعثر دائماً عند أول كلمة.
هنا، في القاعة، لم يسأله أحد عن واجباته، ولم يضحك أحد حين أخطأ. كان مجرد طفل بين أطفال.
بعد أسبوعين، جاء الخبر:
المياه انحسرت، والعودة غداً.
ضجّت القاعة بفرح مشوب بالارتباك. لكن سليم شعر بشيء بارد يصعد من قدميه إلى حلقه. لم يكن يشبه الماء، كان يشبه الاثنين معاً؛ مفتاح الباب… وجرس المدرسة. تخيّل الممر الضيق في البيت. ثم تخيّل ساحة المدرسة حين يصطف التلاميذ في طابور الصباح، هو دائماً في الخلف، يحاول أن يبدو غير مرئي.
في الصباح، حين بدأت الحافلات تصطف، التصق بيديه الصغيرتين بعمود حديدي قرب الباب رغم إلحاح أبيه على الصعود. كان البرد يسري في أصابعه، ومع ذلك لم يفلت.
– هيا، لا تكن جباناً. قالها الأب ضاحكاً أمام الآخرين.
ارتعش الاسم في داخله. لم يكن يخاف من البيت فقط. كان يخاف من الأيام التي ستعود بروتينها القاتل.
حين وصلوا، كان البيت واقفا كما تركوه، لكنه بدا كجسدٍ نجا من الغرق، وعلى خاصرته أثرٌ بنيٌّ يصل إلى مستوى النوافذ، شاهداً على ارتفاع الماء قبل أن ينحسر.
دخل الجميع، ودخل سليم أخيراً.
في المساء، تمدّد على سريره، محدّقاً في السقف. غداً سيبدأ تنظيف البيت. وبعد غدٍ… المدرسة. أغلق عينيه. تخيّل القاعة الكبيرة في مركز الإيواء. الأصوات المتداخلة، والدفء الذي ولد صدفة. وحين صُكَّ الباب عند الممر، حبس أنفاسه.
بقلم: عبد الغني الشدادي