المرحوم أحمد الجباري، بصمة القلوب وصدى المنابر.

منذ ساعتين
Oplus_131072

– ذ: أحمد العبودي :
في مدينة القصر الكبير، حيث الوئام بين الذاكرة الدينية العريقة ونبض الحياة اليومية، برز مع مطلع الثمانينات نجم الأستاذ أحمد الجباري خطيبا متميزا؛ لم يكن حضوره مقصورا على منبر الجمعة فحسب، وإنما امتد أثره إلى النفوس والبيوت ودوائر الشباب والمهتمين بالشأن الديني والتربوي. كان من أولئك الرجال ” الذين صدقوا” فلا يمرون في حياة الناس مرورا عابرا، بل يتركون وراءهم أثرا واضحا، وبصمةً شاهدة على قلب اعتاد العطاء بسخاء.
أسس خطابه الوعظي على الصدق والوضوح؛ لا يعرف الالتفاف حول المعاني ولا يهادن أو يداهن في قول الحق وتحري الصواب. عُرف بجرأته في تناول القضايا التي تمس حياة الناس اليومية، حتى إن خطبه كانت تثير ـ أحيانا ـ حنق بعض المسؤولين المحليين والمنتخبين، لكن مع ذلك ظل ثابتا على منهجه، يرى أن وظيفة المنبر تكمن في النصح الصادق والتوجيه الرشيد، بعيدا عن أي حذلقة لغوية زائفة .
وقد أتيح لي أن أجري معه حوارا مطولا على صفحات جريدة “التجديد”، حول قضايا الخطاب المنبري في المغرب، فتحدث رحمه الله بوضوح وجرأة عن طبيعة الخط الوعظي الاعتدالي الذي ينبغي أن يميز خطبة الجمعة، وعن ضرورة أن تظل الخطبة متصلة بقضايا المجتمع وهمومه. كما أبان في ذلك الحوار طبيعة الخطاب التأطيري الذي ينهض به الخطيب من فوق المنبر، فالخطيب لا ينبغي أن يكون مجرد واعظ تقليدي، وإنما يتعين أن يقوم بمهمة موجه اجتماعي ومؤطر تربوي، يشارك في بناء الوعي العام. في ذلك الحوار لم يتردد المرحوم في كشف العلاقة الدقيقة بين الخطيب والسلطة، وما قد يكتنفها أحيانا من تجاذب بين السياسي والوعظي، فهو يرى أن الخطيب مطالب بالحفاظ على استقلال خطابه، مع احترام الإطار المؤسسي المنظم للشأن الديني، بالرغم مما قد يواجهه أحيانا من إكراهات إدارية وتنظيمية، دون أن يفقد مع ذلك روح الرسالة السامية التي يضطلع بها المنبر.
فرصة القرب منه في مناسبات كثيرة( العمل ضمن جمعية البحث والتضامن من أجل البيئة…)، أبانت ـ على غير ما قد يتوهم البعض ـ أنه كان رجلا بسيطا متواضعا إلى حد قد لا يستوعبه البعض، يفيض أدبا وهدوءا، وتعلو وجهه ابتسامة لا تكاد تفارقه. ذلك التواضع نفسه هو الذي كان يجعل الشباب يلتفون حوله وحول منبره؛ فقد كان بالنسبة إليهم مرجعا وملاذا ، يقصدونه للسؤال والاستشارة، ويجدون عنده صدرا رحبا ونصيحة أمينة.
لم يكن تأثيره خافيا حتى على زملائه من الخطباء؛ فكثيرا ما كان بعضهم يقول لي، بعد أن أخبرهم بما جاء في إحدى خطبه: “ نغبطه، فهو شجاع مقدام”
كانت هيبته ووقاره مما لا يخفى على أحد، هيبة العالم الذي جمع بين المعرفة والخلق، وبين الحزم والرفق.
ومع تلك الهيبة، كان الشيخ يتميز بأناقة رفيعة في مظهره وسلوكه معا. وقد ظهرت هذه الأناقة أيضا في خطه الجميل؛ إذ كان يكتب خطبه بيده في أوراق تحمل مسحة أصيلة من جمال الخط العربي الشريف، غير أنه لم يكن يقرأها قراءة حرفية، بل كان ينطلق منها إلى ارتجال حي، يجعل الخطبة أقرب إلى حديث مباشر متوثب ينبض بالحياة. كما أوتي بيانا ساحرا أصيلا لا يترك فرصة للتعبيرات اللغوية الدخيلة أو الهجينة.
وقد تعرض المرحوم خلال مسيرته المنبرية لكثير من المواقف اللافتة؛ فقد استُدعي مرة إلى مقر وزارة الشأن الديني لاستفساره عن موضوع خطبة بمناسبة وطنية، حيث كان ذا حجة أقنعت المسؤولين الذين تأكدت لهم مكانته كخطيب جمعة، بل حملتهم على أن كرموه هناك، ببعض الهدايا تقديرا لدوره المنبري الريادي .
وكان من أبهى اللحظات التي عشتها معه حفل تكريمه، بمناسبة إحالته على التقاعد من وزارة التربية الوطنية، حيث اجتمع حوله تلامذته ومحِبّوه. وقد أُهديت له يومها صورته وهو في ريعان شبابه؛ كانت تلك الصورة/اللوحة دليلاً رمزيًا على أن الرجل لم يكن مجرد خطيب أو مدرس عابر، وإنما مربٍ أسهم في صناعة جيل، منهم أبناؤه أنفسهم الذين صاروا امتدادا لذلك النهج، يحملون بعضا من روحه وتوجهه.
وفي الشدائد كان الشيخ يقف موقفا واضحا؛ ينصف المظلوم، ويدعم من يحتاج إلى الدعم، غير سلبي ولا متردد. ولذلك لم يكن غريبا أن يُعرف المسجد الذي كان يخطب فيه باسمه هو، إذ ارتبط في ذاكرة الناس بصوته وخطابه وأسلوبه الذي يفيض حكمة وطرفة وطيبوبة…
كان سيدي أحمد الجباري رحمه الله مناصرا صادقا للقضية الفلسطينية، يذكرها في خطبه ويجدد التذكير بواجب النصرة المعنوية لها، ويمشي في مسيراتها التأييدية، حتى أصبحت حاضرة في وجدانه ووجدان مستمعيه.
لقد رحل الإمام أحمد (كما كان يلقبه العلامة أحمد الريسوني ) في زمن صعب، زمن وباء كوفيد-19، وكانت جنازته مهيبة، خرج فيها الناس وكأنهم يودعون صوتا ألفوه كما ألفهم ، وقلبا وثقوا به، ومرشدا كان لهم في لحظات كثيرة دعما وسندا.
لقد رحل الشيخ أحمد الجباري، لكن بصمته بقيت: في خطباء استلهموا شجاعته، وفي شباب وجدوا عنده بداية الطريق، وفي مسجد لا يزال اسمه يقترن به في ذاكرة الناس.
هكذا يكون أثر الرجال الصادقين: يغيبون عن العيون، لكنهم يظلون حاضرين في القلوب والضمائر الحية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading