
– بقلم: أميمة الحاتمي *
عُدتُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ هَذَا الصَّبَاحَ، بَعْدَ أَنْ فَارَقْتُهَا مُضْطَرَّةً أَكثَرَ مِنْ شَهْرٍ، قضيته في قَرْيَتـِي. كَانَ قَرَارُ إِخْلَاءِ المَدِينًةِ صًادِمًا. لَمْ نَكُنْ نَتَخَـيَّـلُ أَنْ يَتَحَوَّلَ السَّدُّ الذِي كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي العُطَلِ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِمِيَاهِهِ وَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ بِقُرْبِهِ إِلَى مَصْدَرٍ لِلْخَوْفِ. فَجْأَةً، صَارَتْ مَدِينَةُ القَصْرِ الكَبِيرِ مُهَدَّدةً بِالغَرَق، وَازْادَادَ خَوفُنَا عَلَيْهَا بَعْدَ غَرَقِ العَدِيدِ مِنْ أَحْيَائِهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ، ارْتَفَعَتْ فِيهَا المِيَاهُ، وَاسْتَيْقَظَ النَّاسُ في اللَّيْل على صَوْتِ هَدِيرِ المِيَاهْ. فِي البِدَايَةِ، كَانَ البَعْضُ يُحَاوِلُ إِنْقَاذَ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُه، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا أَدْرَكُوا أن الوَضْعَ خَرَجَ عَن السَّيْطَرَة، بَعْدَمَا ازْدَادَ هُطُولُ المَطَرِ وَامُتَلَأَ السَّدُّ، فَاضْطَرَّتِ السُّلُطَاتُ إِلَى إِخْلَاءِ المَدِينَةِ مِنْ جَمِيعِ السُّكَّانِ. كُنْتُ خائفةً من أَنْ أفقد المدينَةَ التِي عِشتُ فيها أياما سعيدة، بثانويتي وبالقسم الداخلي، وخفت أنْ لَا أَرَى صَدِيقَاتِي وَزُمَلَائِي وَأُطُرَ مَدْرَسَتِي مُجَدَّدًا.
كَانَ الخَوْفُ يَغْمُرُنِي، وَيَغْمُرُ زُمَلَائِي الذِينَ عَادُوا إِلَى القَرْيَةِ، وَكُنَّا نُتَابِعُ أَخْبَارَ الفَيَضَانِ بِاسْتِمْرَارٍ، وَنُرَاقِبُ بِامْتِنَانٍ تَدَخُّلَ السُّلُطَاتِ لِمُسَاعَدَةِ السُّكَّانِ عَلَى الرَّحِيلِ، وَتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالمَلَاجِئِ لَهُم… وَكانَ يَزْدَادُ رُعْبُنَا وَنَحْنُ نَسْمَعُ انْهِيَارَ المَنَازِلِ فِي القُرَى المُجَاوِرَةِ لِقَرْيَتِنَا، وَنَتَخَيَّلُ أَحْوَالَ النَّاسِ الذِينَ فَقَدُوا مَنَازِلَهُمْ التِي انْهَارَتْ بِفِعْلِ انْجِرَافِ التُّرْبَةِ، وَفَقَدُوا مَحَاصِيلَهُمُ الزِّرَاعيَة التِي أَغْرَقَتْهَا المِيَاه، وَفَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ… وكُلَّما رَأَيْنَا صُوَرَ المَدِينَةِ خَالِيَةً تَمَامًا فِي المَقَاطِعِ الإِخْبَارِيَةِ وَالصُّوَرِ يَزْدَادُ قَلَقُنَا وَخَوْفُنَا وَشَوْقُنَا إِلَيْهَا، مُتَمَسِّكِينَ بِالدُّعَاءِ وَالأَمَلِ…
أَخِيراً تَوَقَّفَتِ الأَمْطَارُ، وَعَادَ النَّاسُ إِلَى مَدِينَتِهِم، وَعُدْنَا إِلى المَدْرَسَة. كُنْتُ سَعِيدَةً عِنْدَ عَوْدَتِي، وكان فَرَحِي لا يُوصَفُ، لِأَنَّنِي الْتَقَيْتُ مُجَدَّدًا بِصَدِيقَاتِي، وَبِرُؤْيَةِ مَدْرَسَتِي مُجَدَّدًا، بَعْدَمَا زَالَ الخَطَرُ عَن المَدِينَة، وبَعْدَمَا كَانَ الشَّكُّ يَتَسَرَّبُ إِلَى نَفْسِي فِي العَوْدَةِ مُجَدَّدًا. وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِكُلِّ لَحْظَةٍ فِي هَذِهِ المَدْرَسَةِ وَالمَدِينَة، وأن لا أفوت أي فرصة أتاحها لي القدر، في اغتنامها بقرب مَدِيـنَـتِـي وَثَانَوِيـَّتِـي وَدَاخِلِيَّتِي…
- تلميذة القسم الداخلي بثانوية وادي المخازن التأهيلية بالقصر الكبير
مشاركة في إطار الاقصائيات الإقليمية للمهرجان الجهوي الثالث لبرنامج داخليتي بيتي