الانسان في معادلة السلم والحرب

منذ 3 ساعات


الدكتور : خالد الصمدي

في ظل ضعف وترهل مؤسسات الحكامة العالمية التي أحدثت بعد الحرب العالمية الأولى والثانية منتصف القرن الماضي ( الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها في الصحة والبيئة وحقوق الانسان والامن وتدبير النزاعات ) ، وانهيار منظومة القيم التي بنتها الإنسانية بتضحيات جسام على مدى عقود من الزمن لتثبيت الامن والسلم العالمي ، وبناء الحضارة العمرانية المشتركة ،
انفلتت القوى العظمى المتنفذة في عالمنا اليوم من عقالها وسمحت لنفسها بالتدخل في مناطق جغرافية محددة من العالم بدعوى حماية مصالحها وعمقها الاستراتيجي فنشرت قوات وقواعد عسكرية متقدمة تمكنها عند الاقتضاء من شن هجمات لتفكيك أو إضعاف الدول التي تقع في موقع استراتيجي كتلك التي تطل على الممرات البحرية الحساسة، أو تلك التي تتوفر على موارد طبيعية استثنائية وتتمتع الى جانب ذلك بعمق تاريخي وحضاري مميز وتكتلات بشرية كبرى ومتجانسة ، فتحاول السيطرة عليها او على الاقل إضعافها وتوجيهها وفق أجندتها والتحكم في قراراتها باستثمار التناقضات الداخلية أو الإقليمية المتراكمة عبر التاريخ او افتعالها إن لم تكن موجودة وإذكاء نارها ، لانها تنظر الى هذه الدول على أنها مصدر تهديد دائم لها ،
ولا تكون هذه الحروب التي تشنها هذه القوى العظمى على دول محددة في هذه المناطق من العالم بداية الحكاية يقوم المحللون بتفسير مجرياتها وينتظر باقي الناس انتهاءها لاحصاء الخسائر وتقويم الاثار ، ثم دخول القوى المتنافسة في موجة جديدة من سباق التسلح والصراع لتحصين الاجواء والحدود بإنفاق الأموال على شركات السلاح بلاحدود في عالم يموج فقرا ،
وإنما هي قرار يتوج مسارا طويلا من اشتغال هذه القوى المعادية بنفس كيدي في هذه الدول المستهدفة على عقائد الانسان قبل الاقتصاد والعمران ،وذلك لاستنزافها من الداخل ، وذلك من خلال بذل مجهودات كبرى وبنفس طويل لاحداث تحولات في كينونة إنسان هذه البلدان عن طريق النفاذ الى جيناته الجامعة التي تشكلت على مر الزمان في الدين والثقافة والتاريخ والقيم من خلال مناهج التعليم والاعلام و في عصرنا عن طريق منصات التواصل الاجتماعي واستقطاب لوبيات المؤثرين وذلك بهدف خلق الارتباك في نسيج المجتمع وإضعاف جبهته الداخلية بإثارة النعرات والعرقيات ، وهدم الصوامع والبيع والمساجد والصلوات بمفهومها الرمزي ، والتي تعبر عن مرجعية التكتلات البشرية وثوابتها الجامعة التي تمنحها القدرة على التعبئة والتلاحم والتضحية في ظروف الازمات ، مع رصد التحولات التي تقع في نسيجها الاجتماعي من طرف مراكز بحث متخصصة تحدثها لهذا الغرض في كبريات الجامعات ومراكز البحث بتمويلات ضخمة تتكلف بتتع مؤشرات التحولات الدينية والثقافية والديمغرافية في النسيج الاجتماعي وتستخدم في ذلك اليوم حتى خوارزميات الذكاء الاصطناعي ، في تحليل بنية الدول المستهدفة بالتفكيك او الاضعاف ،
وهذا ما يجعل من اهتمام الدول المستهدفة بتقوية جبهتها الداخلية وتحصين نسيجها الاجتماعي أولوية الأوليات في هذه الظروف الحساسة التي يمر بها العالم لما لهذا الموضوع من ابعاد استراتيجية في معادلة الصراع ،
فتجعل من كل محاولات التفكيك الداخلي التدريجي لهذا النسيج بإثارة النعرات الطائفية واللغوية والثقافية والعرقية في مجتمع ما تحت أي مبرر نذير شؤم ، وموضوع تساؤل حول دوافعه وأسبابه وآثاره ونتائجه ، ينبغي الانتباه اليه ووضع استراتيجية لتحجيمه ومواجهته والحد من آثاره من خلال دعم العمل الديني والمدني الرسمي والشعبي الذي يشتغل على بناء الانسان وترسيخ الثوابت الجامعة وفق استراتيجية تجمع بين الهوية والتنمية وتقوي لديه الحس الايجابي للتفاعل مع المحيط والقدرة على تدبير الاختلاف ،
إن الحروب التي تشنها القوى العظمى اليوم في غير ما منطقة من العالم واليوم في ايران ، ليست قرارا ظرفيا وليد نزوة عابرة لمستكبر سياسي يشعر بفائص القوة تلتقي مع مصالح مترفين ، فيطلق الشرارة الأولى دون أن يكون بالضرورة قادرا على إسكات بنادقها، ولم تعد التكنولوجيا والتجهيزات قطب الرحى في النصر أو الهزيمة وإن حصل ذلك في معركة من معاركها ، وإنما تحسمها صلابة النسيج المجتمعي للدول والمجتمعات وقوة جبهتها الداخلية وقوة مؤسساتها وجوهر كل ذلك الانسان وقيمه الجامعة ،
بهذا المنطق يمكن قراءة الهزائم الكبرى التي حلت بالقوى العظمى في حروب اليابان وفيتنام وأفغانستان وغزة وغيرها، وأن كانت قد انتصرت في بعض المعارك ، وهاهي اليوم تجرب نفس الوصفة في الدول العريقة التي تملك نفس الرصيد الاستراتيجي والعمق الحضاري ، لانها تشعر دوما بانها مهددة من طرفها وجوديا كشجرة ما لها من قرار ، فتسعي بكل السبل والوساىل لازالتها ، وتثبيت وجودها بالقوة العسكرية لانها لا تملك الرصيد الحضاري الذي يمكن أن تسهم به في حماية الإنسان وإقامة العمران ،

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading