
ذة. الزهرة الحميمدي
يصعب الحديث عن القصر الكبير دون استحضار أسماء تركت بصمتها في الذاكرة الأدبية والثقافية والفنية، أسماء من قبيل محمد الخباز، المهدي السقال، أحمد السقال، الزهرة بوعلي، عبد السلام الطود، حسن الطريبق، سعاد الطود، مصطفى الطريبق، محمد عفيف العرائشي، وعبد السلام عامر، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في إغناء المشهد الثقافي للمدينة، وجعلت منها فضاءً نابضاً بالإبداع والفكر والجمال.
ومن هذه الأسماء من غادروا الحياة، تاركين وراءهم إرثاً إبداعياً يستحق الوفاء واستمرار الحضور في الذاكرة، ومنهم من لا يزالون يواصلون العطاء، ويغنون المشهد الأدبي والثقافي، نذكر منهم وفاء العمراني، الطيب المحمدي ،وداد بنموسى، حسن البراق ، مصطفى يعلى، محمد أخريف، ومحمد العناز، يوسف سعدون ،إلى جانب أسماء أخرى تواصل حضورها وإسهامها في الحياة الثقافية.
فهؤلاء جميعاً، الراحلون منهم والأحياء، يشكلون حلقات متصلة في ذاكرة المدينة، ويجسدون غنى تجربتها الإبداعية وتنوع روافدها. ومن حق الذين يواصلون العطاء اليوم أن يُحتفى بإنتاجهم، مثلما يستحق الراحلون أن تظل أعمالهم حاضرة في وجدان الأجيال. فلا ينبغي أن ننتظر غياب المبدعين حتى نكتشف قيمة ما قدموه، أو نستحضر أسماءهم باعتبارها جزءاً من ذاكرة مضت.
ومن هنا، تبدو المفارقة أكثر إيلاماً: كيف لمدينة بهذا الرصيد أن تجد نفسها اليوم أمام تراجع فضاءاتها الثقافية، وأن تفقد مؤسسات كان يفترض أن تكون امتداداً طبيعياً لذلك التاريخ؟
ليس غريباً أن تتغير المدن، وأن تختفي من معالمها بعض الأمكنة التي ألفها الناس، فالحياة لا تتوقف عند شكل بعينه، والزمن لا يستأذن أحداً وهو يعيد ترتيب ملامح الأمكنة. لكن الغريب أن تفقد المدينة فضاءاتها الثقافية تباعاً، دون أن تجد ما يعوضها، أو يحفظ الوظيفة التي كانت تؤديها.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو استمرار إغلاق دار الثقافة التي تحمل اسم الشاعر محمد الخمار الݣنوني، منذ سنوات. وليس الأمر مجرد إغلاق مؤسسة من المؤسسات العمومية، بل يتعلق بفضاء يحمل اسم أحد أبناء المدينة الذين أسهموا في إثراء الشعر المغربي الحديث، وكان من المفترض أن يظل اسمه حاضراً في الحياة الثقافية، لا على واجهة بناية مغلقة فحسب.
أتساءل أحياناً: ما الذي يمكن أن يكون أكثر تعبيراً عن الوفاء لشاعر من أن تظل المؤسسة التي تحمل اسمه مفتوحة أمام الشعراء والكتاب والفنانين، وأن يجد فيها الشباب فرصة للقاء والتعلم والإبداع؟
إن إطلاق اسم مبدع على مؤسسة ثقافية ليس غاية في حد ذاته، بل هو تكليف قبل أن يكون تكريماً، لأن الأسماء الكبيرة لا تستحق أن تتحول إلى مجرد لوحات معلقة على الجدران، وإنما تستحق أن تظل أفكارها وقيمها حاضرة في حياة الأجيال.
وفي الوقت الذي أُغلقت فيه دار الثقافة، أصبحت معظم الأنشطة واللقاءات الثقافية تنظم في قاعة المؤتمرات بقصر البلدية، أو في دار بنجلون. ولا يقلل هذا من أهمية الفضاءين، ولا من قيمة المبادرات التي يحتضنانها، لكن السؤال يظل قائماً: لماذا لا تستعيد دار الثقافة وظيفتها الطبيعية؟ ولماذا يُترك فضاء أُنشئ أساساً لخدمة الثقافة خارج دائرة الفعل الثقافي؟
إن وجود قاعات بديلة لاحتضان اللقاءات والأنشطة أمر إيجابي في حد ذاته، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستمرار إغلاق مؤسسة ثقافية أُنشئت لتكون فضاءً دائماً للإبداع والتواصل. فالثقافة ليست مجرد موعد في برنامج موسمي، ولا لقاء عابراً تلتقط فيه الصور، بل هي حياة يومية تحتاج إلى مؤسسات تحتضنها وتضمن استمراريتها.
وإذا كانت دار الثقافة تثير هذا السؤال، فإن وضع المركز الثقافي يضيف إليه وجهاً آخر من القلق. فقد عرف هذا الفضاء، في مرحلة من مراحله، حيوية ثقافية جعلت منه عنواناً للإشعاع والتواصل، وأسهمت في ذلك جهود أطر اشتغلت بروح المسؤولية والإيمان بدور الثقافة، ومن بينهم السيدة بشرى الأشهب، التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة المضيئة من نشاطه.
غير أن تلك الصورة أخذت تتوارى، وبات المركز بعيداً عن المكانة التي عرفها في ذاكرة الفاعلين الثقافيين وساكنة المدينة. وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن الأسباب التي حالت دون استمرار ذلك الإشعاع، وعن السبل الكفيلة باستعادة دوره في الحياة الثقافية المحلية.
ولست هنا بصدد المقارنة بين المؤسسات أو التقليل من قيمة ما يُنظم داخلها، وإنما أحاول أن أفهم كيف يمكن لمدينة بهذا التاريخ أن تتسع فيها المناسبات، بينما تضيق فيها المساحات المخصصة للفعل الثقافي المستمر.
إن القصر الكبير لا ينقصها المبدعون، ولا تفتقر إلى الكفاءات والطاقات القادرة على إغناء الحياة الثقافية. ما ينقصها هو فضاءات حاضنة، ورؤية تجعل الثقافة جزءاً من أولويات تدبير الشأن المحلي، لا مجرد نشاط يُستحضر عند تنظيم مهرجان أو مناسبة احتفالية.
ومن المؤكد أن مسؤولية النهوض بالشأن الثقافي لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تضافر جهود المؤسسات المنتخبة والقطاعات الوصية والفاعلين الثقافيين والجمعيات المدنية. غير أن هذا التشاور ينبغي أن يفضي إلى خطوات ملموسة، تبدأ بإعادة فتح دار الثقافة محمد الخمار الݣنوني، واستعادة المركز الثقافي لدوره، وتأهيل الفضاءات المتاحة، ووضع برامج تسمح للمبدعين والشباب بالتفاعل والإنتاج والمشاركة.
ولعل من حق الأجيال الجديدة أن تجد في مدينتها مكتبات مفتوحة، وقاعات للمسرح، وفضاءات للموسيقى والتشكيل، ومؤسسات تحتضن النقاشات الفكرية واللقاءات الأدبية. فمن غير المعقول أن نطالب الشباب بالقراءة والإبداع، ثم لا نوفر لهم الأمكنة التي تساعدهم على اكتشاف مواهبهم وتطويرها.
كما أن تكريم المبدعين لا ينبغي أن يظل مرتبطاً بالمناسبات أو بالاحتفاء بأسمائهم بعد رحيلهم. ثمة شعراء وكتاب وفنانون لا يزالون بيننا، يكتبون ويبدعون ويسهمون في الحياة الثقافية، ومن حقهم أن يجدوا الاعتراف والتقدير، وأن يشعروا بأن مدينتهم تواكب عطاءهم وتمنحه ما يستحق من اهتمام.
إن القصر الكبير ليست مجرد أسماء تُستحضر في الندوات، ولا صور تُعرض في المناسبات التكريمية. إنها ذاكرة أدبية وفكرية وفنية تستحق أن تجد امتدادها في الحاضر، وأن تتحول من رصيد نتباهى به إلى مشروع ثقافي متجدد.
قد تتغير الواجهات، وقد تتبدل ملامح الأمكنة، لكن المدن التي تحترم ذاكرتها لا تسمح بانطفاء فضاءاتها الثقافية، ولا تترك أسماء مبدعيها معلقة بين ماضٍ يُستحضر وحاضر لا يجد ما يليق به.
إن إعادة فتح دار الثقافة محمد الخمار الݣنوني ليست مجرد مطلب يتعلق بإعادة استعمال بناية، بل هي خطوة نحو إعادة الاعتبار لجزء من هوية المدينة. كما أن استعادة المركز الثقافي لدوره وإشعاعه ليست مسألة ثانوية، بل ضرورة تفرضها مكانة القصر الكبير وتاريخها الثقافي.
فما جدوى أن نحتفي بأسماء الذين أضاءوا ذاكرة المدينة، إذا كنا نترك الأبواب التي كان ينبغي أن تظل مفتوحة أمام الثقافة موصدة؟
مدينة أنجبت كل هذا الجمال، تستحق أن تظل فضاءً حياً لاحتضانه، لا مجرد ذاكرة تستعيده.