الأستاذ سمحمد اخريف حارس ذاكرة القصر الكبير… من مدرّس التاريخ إلى مؤرخ المدينة

منذ ساعتين

أمينة بنونة

ليست كل الشخصيات التي تمر في حياة المدن عابرة، فبعضها يترك أثرًا يتجاوز سنوات العمر والعمل، ويصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمكان.

وفي القصر الكبير، مدينة التاريخ والذاكرة، تبرز أسماء حملت على عاتقها مسؤولية البحث والتنقيب والتوثيق، وجعلت من تاريخ المدينة وتراثها قضية تستحق أن تُروى للأجيال.

ومن هذه القامات التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة وذاكرتها، يأتي الأستاذ سمحمد أخريف، المربي والباحث في التاريخ والفاعل الثقافي والجمعوي، الذي امتدت تجربته لعقود بين المدرسة والبحث والتأطير والعمل المدني.

من القرية إلى رحاب العلم

ولد محمد بن أحمد أخريف يوم 3 ماي 1946 بمدشر بئر دوار بجماعة أبي جديان، من قبيلة آل سريف، وأصله من قبيلة بني عروس.

فقد والده وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، فانتقلت به والدته إلى القصر الكبير، المدينة التي ستصبح لاحقًا موطن تكوينه وعطائه، وفضاءً أساسيًا في مسيرته.

بدأ تعليمه في الكتاتيب، ثم بالمدرسة الأهلية، وانتقل إلى ثانوية المحمدية بالقصر الكبير، قبل أن يلتحق بثانوية محمد بن عبد الله بالعرائش، حيث حصل على شهادة البكالوريا.

وفي سنة 1966، التحق بالمدرسة العليا للأساتذة، متابعًا دراسته في التاريخ والجغرافيا بالرباط، وتخرج سنة 1969 أستاذًا للسلك الأول، ليبدأ مساره المهني بمدينة الناظور، قبل أن يعود بعد سنة إلى القصر الكبير، ويلتحق بثانوية وادي المخازن.

ولأن شغف المعرفة لا يتوقف عند حدود الوظيفة، واصل دراسته الجامعية عن بعد، وحصل سنة 1976 على الإجازة في التاريخ، ثم أدمج أستاذًا بالسلك الثاني.

وتدرج بعد ذلك في المسؤوليات التربوية، فشغل منصب حارس عام، ثم أصبح سنة 1989 مديرًا لإعدادية علال بن عبد الله بالقصر الكبير، واستمر في هذا المسار إلى حين تقاعده.

التربية… أكثر من مهنة

لم يكن التاريخ بالنسبة إلى الأستاذ أخريف مادة مدرسية فقط، ولم تكن المدرسة بالنسبة إليه مجرد وظيفة.

فالتربية عنده كانت وسيلة لبناء الإنسان، والتاريخ وسيلة لبناء الوعي.

ولذلك ظل، بعد سنوات طويلة من العمل التربوي، حاضرًا في المجال الثقافي والفكري، مؤمنًا بأن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تصل إلى المجتمع وتساعد الأجيال على فهم محيطها وماضيها.

من النضال إلى العمل العام

يحمل مسار الأستاذ أخريف أيضًا جانبًا من ذاكرة جيل عاش مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.

ففي سنة 1956، شارك وهو في سن مبكرة في مظاهرة انطلقت من الجامع الأعظم احتجاجًا على سلطات الحماية، ثم انخرط في الكشافة الحسنية التابعة لحزب الاستقلال وهو في الثانية عشرة من عمره.

وخلال سنوات الجامعة، انخرط في منظمة اتحاد طلبة المغرب، ثم انخرط خلال بداية السبعينيات في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل انتقال الحزب إلى العمل العلني.

كما انتخب عضوًا في الكتابة الإقليمية للحزب بالقصر الكبير والعرائش، وخاض تجربة العمل الجماعي، فانتخب سنة 1976 عضوًا بالمجلس البلدي للقصر الكبير، ثم نائبًا للرئيس، وأعيد انتخابه سنة 1983، واستمر في المجلس إلى حدود سنة 1993.

وكانت له كذلك تجربة مهنية صعبة سنة 1979، حين تعرض للطرد من الوظيفة العمومية إثر الإضراب الشهير للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، قبل أن يعود إلى عمله بالعفو الملكي.

حين يصبح التاريخ رسالة

لكن المحطة الأبرز في مساره ربما تكمن في علاقته بتاريخ القصر الكبير.

ففي سنة 1986، ساهم الأستاذ أخريف في تأسيس جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير، وترأسها منذ سنة 1987، لتتحول مع مرور السنوات إلى واحدة من الأطر التي اشتغلت على جمع الوثائق والبحث في تاريخ المدينة وتنظيم الندوات والملتقيات حول ذاكرتها.

لقد كان هاجسه واضحًا: أن لا يبقى تاريخ القصر الكبير شفويًا فقط، وأن لا تضيع وثائقه بين النسيان والإهمال.

ومن هنا جاء اهتمامه بتاريخ المقاومة، ومعركة وادي المخازن، والتراث العمراني، والذاكرة الاجتماعية، والتراث الجبلي، والعادات والتقاليد، وغيرها من القضايا التي تشكل ملامح هوية المنطقة.

كما ساهم في مبادرات مرتبطة بالتراث الديني والمعماري، ومن بينها تأسيس الجمعية السعيدة لإصلاح وترميم الجامع السعيدة سنة 2001، فضلًا عن مشاركته في مبادرات جمعوية وثقافية وبيئية أخرى.

مؤلفات تحفظ ما قد ينساه الزمن

ترك الأستاذ أخريف مجموعة من الأعمال والدراسات التي تعكس اهتمامه بالتاريخ المحلي، من بينها:

«مجتمع القصر الكبير في القرن العشرين»، و«معطيات تاريخية واجتماعية للقصر الكبير» باللغة الإسبانية، و«القصر الكبير ووثائق لم تنشر» بجزأيه الأول والثاني، إضافة إلى أعمال حول سور مدينة القصر الكبير الموحدي، وسلسلة من الوثائق والبحوث، وموضوعات حول التراث الجبلي والعيطة والمواسم الفلاحية، إلى جانب أعمال أخرى في مجال الدراسات التاريخية.

كما شارك في ندوات وملتقيات محلية ووطنية ودولية، تناولت المقاومة والذاكرة، وتراث القصر الكبير، وابن بطوطة، والمقدس في الشمال الغربي المغربي، وفن زهجوكة، وغيرها من الموضوعات.

وظل حضوره مرتبطًا بشكل خاص باللقاءات التي تستحضر معركة وادي المخازن، باعتبارها محطة مركزية في التاريخ الوطني والذاكرة التاريخية للمنطقة.

رجلٌ ظل وفيًا للمدينة

حين نقرأ مسيرة الأستاذ سمحمد أخريف، نجد أن الخيط الذي يجمع مختلف محطاتها هو الوفاء للمدينة والإنسان.

فهو مربي علّم أجيالًا، وباحث نبش في الوثائق، وفاعل جمعوي آمن بالمبادرة، وشخصية عامة عاشت تحولات المجتمع المغربي، ومؤرخ اختار أن يجعل من ذاكرة القصر الكبير مسؤولية لا ترفًا.

وقد لا تكون قيمة الإنسان فيما تقلده من مناصب، بقدر ما تكون فيما تركه من أثر.

والأستاذ أخريف من الذين تركوا أثرًا في المدرسة، وفي الجمعيات، وفي الندوات، وفي رفوف المكتبات، والأهم في ذاكرة مدينة بأكملها.

فالتاريخ الذي لا يوثق معرض للنسيان، والمدينة التي لا تحفظ ذاكرتها معرضة لأن تفقد جزءًا من هويتها.

ولذلك فإن أمثال الأستاذ سمحمد أخريف لا ينبغي أن نقرأهم فقط باعتبارهم شخصيات من الماضي، بل باعتبارهم جسرًا بين ذاكرة الأمس وأسئلة اليوم وأجيال الغد.

خاطرة في حق مؤرخ القصر الكبير

توثيقات وبحوث وندوات،
وشحال من مهرجان أطرتوها،
هذا حال جمعية البحث التاريخي والاجتماعي،
من يوم تأسست وترأستوها.

من ثلة ديال خيار كونتوها،
فيهم اللي فاض إلى الباري،
واللي مازال عطاه جاري،
وهكذا يكونو ولاد البلاد،
اللي أرخو باش يورثو للحفاد.

تاريخ مدينة بعيون ولادها،
وبعراقة تاريخها شكون يجهلها؟
من دوامة التهميش نتاشلتوها،
وبعون الله كان ليكم الفضل،
غرستو شتلات، واليوم كبرات،
وثمارها نضجت وولات تتجنى.

نكونو جاحدين إلا غير شكرنا،
ونبقاو مهما عوضنا ناقصين،
يكفي أن أسماءكم تتخلد،
منقوشة في كتب التاريخ،
مبسوطة… ومفروشة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading