الرسالة المحمدية نور لا ينطفئ أبدا

منذ ساعتين

بقلم : أسماء التمالح

تعرف الرسالة المحمدية بأنها رسالة الإسلام الخالدة خلود الزمن، أوحى بها الله عز وجل إلى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم لينير بها الطريق للبشرية، ويفتح بها بصيرتهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وهي رسالة تقوم على العالمية والعموم، إذ لا تعني أقواما بعينهم بقدر ما هي أرسلت للعالمين، للإنس والجن على حد سواء، وتجاوزت حدود الزمان والمكان.
إنها رسالة أبدية مستمرة محفوظة بحفظ الذكر الحكيم من رب الأنام، رسالة باقية إلى أن تقوم الساعة، وهي آخر الرسالات السماوية، حيث لا نبي ولا رسول بعد نبي الله ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
تنظم الرسالة المحمدية حياة الفرد والمجتمع في جوانبها المختلفة : الروحية، والأخلاقية، والتشريعية، وهي بذلك تنشد الشمولية والتكامل، وتحقق العدل والرحمة والأمانة والصدق وحفظ الكرامة والتسامح … إلخ .
كما أن أحكامها مبنية على التيسير ورفع الحرج وما يصاحبه من مراعاة ضعف طاقة الإنسان الطبيعية، إلى جانب أنها رسالة تلزم أتباعها بالإيمان بجميع الرسل، والاعتراف بكل الأنبياء السابقين وكتبهم، مما جعلها رسالة توحيدية جامعة شاملة متكاملة.
ولما كان الأمر كذلك، فقد شكل ميلاد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم علامة صارخة لٱنبثاق نور قيمي بدد ظلمات الجاهلية، إذ لم يكن البثة حدثا تاريخيا عابرا ينبئ بمولد بشر بل كان ٱنتقالا من ميلاد جسدي إلى ميلاد نور بهي صامد لا يخفت ولا ينطفئ أبدا مهما مرت القرون وتغيرت العصور وتبدلت الظروف.
لقد رفعت الرسالة المحمدية قيمة الإنسان وقدره وأنزلت الخلق منازلهم، وحررت العقل البشري من العبودية لغير الله تعالى الخالق البارئ، ومنعت أي تقديس للمخلوقات، ونبذت العنصرية والفوارق القائمة على اللون والعرق وجعلت الكل سواء أمام الأحكام وبين يدي الله، كما ٱعتنت بالتفاصيل الدقيقة للسلوك البشري بدءا من طهارة البدن ونظافة المكان إلى فصاحة الخطاب وحسن ولوج عالم السياسة.
لم تتعارض الرسالة المحمدية لنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قط مع العلم والتطور، إنما دعت إلى إعمال الفكر، والابتعاد عن التقليد الأعمى ومحاربة التبعية المبالغ فيها لدرجة الاستيلاب، فحافظت على نبضها القيمي، ونورها الساطع المشع، وعلى زهدها الإيجابي وتزكيتها للنفس.
يتطلب التجسيد الواقعي للرسالة المحمدية النبيلة وعيا بشريا، ويستوجب الفصل بين ” الطقوس” و ” السلوك” سيما عند الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث أن كل إفراغ لهذه الرسالة من محتواها الهادف والسامي من شأنه أن يشوهها ويسيء إليها، لذلك بقيت في عمقها بمثابة محطة وقود روحي وأخلاقي يشحن من خلاله المرء سلوكه العام بالعديد من الخصال الحميدة، فيرتقي بنفسه من خلالها تحقيقا للسلامين الداخلي والخارجي.
تخاطب الرسالة المحمدية أعمق ما في الإنسان، فهي روحه الطامحة في الصلة بربها وخالقها، والمتوغل في السيرة النبوية يدرك يقينا أنها ليست مجرد غزوات وتواريخ فحسب، بل مواقف إنسانية ذات بعد قوي، حيث تسرد كيف كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يتعامل مع مشاعر الحزن مثلا، ووضعية الفقر، وحالات الفقد، فيزود الإنسان المعاصر بدليل حي للتعافي النفسي.
إن العلاقة بين المرء ورسوله الكريم – صلوات الله عليه وسلامه – بنيت على الحب المتين الذي يغطي مساحة هامة من الفراغ الروحي والعاطفي الذي بات يشكو منه إنسان الوقت الحالي وسط صخب العالم الرقمي المنعزل، فذكرى المولد النبوي إذا لم يتم تحويل الاحتفال بها إلى خلوة فردية يكثر فيها المرء من الصلاة على النبي العدنان محمد صلى الله عليه وسلم أفقدت القلب طمأنينته، وحرمت النفس ٱستقرارها، والسابح في سيرته العطرة – صلى الله عليه وسلم – والمتأمل في جوهر الرسالة المحمدية يستطيع ٱستشعار قوله تعالى :” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، فتتوق نفسه إلى الرأفة واللين ويصير مصدر رحمة داخل بيته ومع اسرته، وينأى عن القسوة والجفاء التي أضحت تفرضها الحياة المعاصرة.
تلقن الرسالة المحمدية مجموعة من الدروس، وتعلم متلقيها الرضا والبساطة والقناعة، وتحررهم من عقدة المقارنات المتواصلة مع الآخرين على وسائل التواصل الإجتماعي ومن ثم تحميهم من الوقوع في الإحباط والاكتئاب.
يبقى تأثير الرسالة المحمدية متقدا في أعماق كل من ٱستطعم حلاوة القرب وٱتباع سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن ٱنتهت مظاهر الإحتفال بذكرى المولد النبوي وتوقفت المدائح، وطويت الزينات، وذابت روائح البخور..
إنها رسالة بنور لا ينطفئ، وليست حبرا على ورق أو مجرد شعار باهت، إنها نبض يسري في أفئدة المحبين، إنها السكينة في زمن القلق، والأمل في زمن اليأس، إنها سفينة النجاة، والمأمن للفارين من الزمن المادي الذي يقدس الاستهلاك ويتأثر بموجات العولمة فيكسر الظهر.
إن غابت الشموع وٱنطفأت المصابيح نهاية كل ٱستحضار لذكرى ميلاد الرسول الكريم والنبي الأمين، ظل شعاع نور الرسالة المحمدية وهدي محمد صلى الله عليه وسلم قائما يؤدي مهامه بثبات، يمسح دموع اليتامى، ويجبر كسر الضعفاء، ويبعث الطمأنينة في نفوس الخائفين، ويعد بلقاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على حوض بالجنة. فيا كل مرهق متعب من تقلبات الحياة الدنيا، حياة أخرى في ٱنتظارك لا محيذ عنها، مفتاحها الرسالة المحمدية الموجهة إليك، سراجها ينير لياليك المظلمة، فٱترك الحيرة وأحسن تلقي الرسالة..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading