المدينة والمسؤولية الاجتماعية:

منذ 28 دقيقة

د. عبد السلام دخان :
ما الذي يجعل من المكان مدينة؟ ينفتح هذا السؤال على إشكالية تتجاوز الكثافة السكانية واتساع البناء وتعدد الوظائف، لتتجه نحو طبيعة الحياة الاجتماعية التي ينتجها المجال الحضري وشبكة العلاقات التي تمنحه معناه المدني. فالمدينة تتأسس مع انتقال الحاجات من مستوى الضرورة الفردية إلى فضاء تنظمه المؤسسات والخدمات والقواعد، ومع انخراط الفرد في علاقات متبادلة تجعل انتظام حياته متصلا بانتظام الحياة المشتركة. ومن هذا الترابط تتشكل شبكة حضرية تجمع السكن والعمل والتعليم والصحة والتجارة والثقافة والتنقل، ويتخذ الاعتماد المتبادل فيها أساسا لتنظيم المصالح والحاجات والحركات اليومية. وتمنح مختلف المؤسسات لهذا الترابط صيغته التنظيمية، عبر التعليم والرعاية وإنتاج المعرفة وتسوية النزاعات ومواجهة الهشاشة الاجتماعية. وتظهر قيمة هذا التنظيم في الأزمات، حيث تتحول حماية الفرد إلى مسؤولية جماعية تتقاطع فيها الخبرات والتجهيزات والموارد وآليات التدبير، فتغدو قدرة المدينة على الاستجابة مقياسا لفاعلية مؤسساتها وللثقة التي تصلها بسكانها.
وتتحدد المسؤولية الاجتماعية للمدينة بقدرتها على إدماج مختلف الفئات في منظومة الحقوق والخدمات، مع عناية خاصة بالأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة والأسر الهشة. وتكتسب هذه المسؤولية بعدها المؤسسي عبر مراكز الرعاية وإعادة التأهيل، حيث تتكامل الاختصاصات النفسية والاجتماعية والتربوية والتأهيلية وفق حاجات كل حالة ومسارها. وتصبح الرعاية الاجتماعية، بهذا المعنى، آلية للتمكين وإعادة الإدماج وصون الكرامة، ومؤشرا على قدرة المدينة على تحويل التضامن إلى سياسة عمومية وممارسة يومية تجعل الحق في المدينة قابلا للتحقق. وتتجسد العدالة المجالية في توزيع البنية الأساسية وإمكان الانتفاع بها؛ فالماء والطاقة والنقل والصرف الصحي والاتصالات والطرق والنظافة تحدد، في توزيعها وكفاءتها، شروط الوصول إلى موارد المدينة. وحين تتحول المسافة إلى زمن وكلفة، يصبح التنظيم العمراني جزءا من إنتاج التفاوت أو الحد منه، وترتبط العدالة بتوجيه الاستثمار وتوزيع التجهيزات وتكافؤ الفرص. ويشكل الفضاء العام مجالا للقاء والتفاعل وممارسة المشترك، وتتحول الشوارع والساحات والحدائق والأسواق والمرافق الثقافية والرياضية إلى اختبار يومي للمدنية التي تنبني على احترام القواعد وصيانة الملك العام ومراعاة الآخرين. وتحتاج الحياة الحضرية المدنية إلى القانون والثقة لتنظيم الاعتماد المتبادل، إذ تتطلب مجالات التعمير والأسواق والبيئة والملك العام والخدمات قواعد مستقرة ومؤسسات تطبقها بإنصاف وقابلية للتوقع. وتمنح مشاركة السكان في التدبير هذه القواعد خبرة مستمدة من المعايشة اليومية لحاجات الأحياء، فتتصل المشاركة بإنتاج الأولويات وتحديد اتجاهات المدينة. وتتخذ المسؤولية الاجتماعية بعدا بيئيا يرتبط باستهلاك الماء والطاقة وإنتاج النفايات والانبعاثات. ومن ثم تصبح جودة الهواء والماء، والمساحات الخضراء، وتدبير النفايات، والنقل، وكفاءة الطاقة، وحماية الموارد عناصر في صلب التخطيط الحضري. ويقاس هذا التخطيط بقدرته على وصل استعمال موارد الحاضر بإمكانات العيش في المستقبل، فتغدو الاستدامة مسؤولية مشتركة بين الأجيال المختلفة. وتعيد الرقمنة والاقتصادات الناشئة وتقنيات الطاقة والخدمات المتخصصة -اليوم- تشكيل العمل والإنتاج، فقد تغيرت المهن والمهارات وبرزت الحاجة إلى التعليم المستدام وإعادة التأهيل المهني. وتصبحت التكنولوجيا الحضرية ذات قيمة من خلال تدعمها لمختلف الخدمات وتنظيم الموارد وتوسع إمكان الوصول إليها، بينما يرتبط الابتكار بقدرة المدينة على تجديد شروط العيش والعمل واستباق التحولات. بيد أن الذاكرة تمنح المدينة عمقها التاريخي ورصيدها الرمزي لأنها تظهر العمران بوصفه حصيلة تراكم بشري، وتجعل صون الموروث مسؤولية تجاه المستقبل. وتحمل المقابر هذه الصلة في صورتها الأكثر كثافة، بما تحفظه من أسماء ومواضع وآثار تستعيد علاقة الأحياء بمن رحلوا وتصل الحاضر بسلسلة الحيوات التي أسهمت في تشكيل هوية المكان.
تتأسس المدينة- في تقديري- من خلال انتظام يصل الخدمة بالحق، والمجال بالعدالة، والقانون بالثقة، والفضاء العام بالمشاركة، والبيئة بالمستقبل، والذاكرة بالانتماء. وتنبع المسؤولية الاجتماعية من وعي الأفراد والمؤسسات والفاعلين السياسيين والمدنيين والاقتصاديين والسلطات الوصية بالآثار المترتبة على قراراتهم داخل المجال المشترك، ومن إدراك أن الحاضر يعيد تشكيل ما ورثه، ويمهد في الوقت ذاته لما ستتلقاه الأجيال اللاحقة. وفي هذا السياق، تقاس قوة المدينة بمرونة مؤسساتها، وحكمة تدبير مواردها، وقدرتها على استيعاب مختلف التحولات، وتدبير الاختلاف، وصون ذاكرتها الاجتماعية.
المدينة فضاء للعيش المشترك وذاكرة تتجه نحو المستقبل؛ وقيمتها تتحدد بقدرتها على تحسين شروط الحياة، وصون الموارد، وحفظ الذاكرة، واستيعاب التحولات، وتوسيع إمكانات المشاركة والتكافل. ومن ثم تغدو العناية بالمدينة عناية بالإنسان والمجال واستمرارية الروابط التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة، وبحق الأجيال القادمة في فضاء حضري جدير بالحياة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading