
.إذا أتيحت لي فرصة توجيه رسالة إلى صناع القرار، فلن أتحدث عن التعليم باعتباره قطاعا من قطاعات الدولة، بل باعتباره المشروع الوطني الذي تُبنى عليه جميع المشاريع الأخرى
فاطمة الزهراء المهدون أستاذة وباحثة مغربية متميزة في مجال علوم التربية والتعليم الرقمي، واكتسبت شهرة واسعة بعد تتويجها بلقب “أفضل أساتذة في العالم لعام 2023” (Global Teacher Award) في المسابقة الدولية التي تنظمها منظمة “AKS Education Awards” في الهند، متفوقة على منافسين من أكثر من 130 دولة.
نالت الجائزة الدولية بفضل مشروعها التربوي المبتكر واشتغالها على موضوع “التنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، إلى جانب تميزها في إدماج تكنولوجيا التربية الحديثة والإنتاج الرقمي في التدريس، ونشاطها كمكونة ومدربة مع جمعيات تهتم بالتعليم الرقمي.
واصلت تميزها الأكاديمي والتربوي حيث نالت أيضاً جائزة “الأستاذ المبتكر” عام 2024.
تُعد الأستاذة فاطمة الزهراء المهدون نموذجاً مشرفا للأطر التعليمية المغربية والعربية التي تسعى لتطوير الممارسات البيداغوجية (التعليمية) وربط الفلسفة بقضايا العصر الرقمي وتحديات الشباب الحالية.
أجرت الحوار: أمينة بنونة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✓كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والحفاظ على الأبعاد الإنسانية والقيمية للعملية التعليمية؟
أعتقد أن هذا السؤال هو من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تشغلنا اليوم، لأنه لا يتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها، بل بمستقبل الإنسان في عصر التكنولوجيا. ومن وجهة نظري، لا يكمن التحدي الحقيقي في مدى قدرتنا على إدماج التقنيات الحديثة داخل المدرسة، وإنما في قدرتنا على ضمان ألا تفقد العملية التعليمية جوهرها الإنساني ونحن نواكب هذا التحول.
لقد لاحظنا خلال السنوات الأخيرة تسارعًا غير مسبوق في تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، حتى أصبح الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة من أي وقت مضى. لكن هذا الواقع يطرح سؤالًا عميقًا: إذا كانت الآلة تستطيع أن تقدم المعلومة، فما الذي يميز المدرسة؟ أعتقد أن الجواب يكمن في أن المدرسة ليست مكانًا لإنتاج المعلومات، بل فضاء لبناء الإنسان. إنها المكان الذي يتعلم فيه المتعلم كيف يفكر، وكيف يحاور، وكيف يختلف باحترام، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يعيش مع الآخرين.
من هذا المنطلق، أرى أن التكنولوجيا ينبغي أن تُوظف لخدمة هذه الأهداف، لا أن تصبح غاية في حد ذاتها. فلا قيمة لأي تطبيق أو منصة أو أداة ذكاء اصطناعي إذا لم تُسهم في تحسين جودة التعلم، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز الإبداع، وتقوية العلاقات الإنسانية داخل الفصل الدراسي. لذلك كنت دائمًا أحرص، في تجاربي الصفية وورشاتي التكوينية، على أن يكون استخدام التكنولوجيا مرتبطًا بالحوار، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، لا بمجرد استهلاك المحتوى الرقمي.
كما أعتقد أن المدرسة مطالبة اليوم بتربية المتعلمين على ما أسميه “الوعي الرقمي”. فنحن لا نحتاج فقط إلى متعلم يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا، بل إلى متعلم يعرف متى يستخدمها، ولماذا يستخدمها، وما حدودها، وكيف يتحقق من المعلومات التي تقدمها، وكيف يحافظ على قيمه وأخلاقياته في الفضاء الرقمي. فالمواطنة الرقمية، في نظري، لم تعد موضوعًا إضافيًا، بل أصبحت جزءًا من التربية على المواطنة في معناها الواسع.
وأعتقد أن دور المدرس سيصبح أكثر أهمية في هذا السياق، لأنه سيظل الشخص القادر على بناء الثقة، واكتشاف مواهب المتعلمين، ومرافقتهم نفسيًا وتربويًا، وتنمية قيم التعاطف والتعاون والمسؤولية. فهذه الأبعاد لا يمكن أن تُبرمج داخل خوارزمية، لأنها تنشأ من العلاقة الإنسانية التي تجعل من القسم مجتمعًا صغيرًا للتعلم والعيش المشترك.
لهذا، فأنا لا أدعو إلى تعليم رقمي، ولا إلى تعليم تقليدي، بل إلى تعليم إنساني ذكي، يستفيد من إمكانات التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تفرض منطقها على التربية. فالتكنولوجيا ينبغي أن تُقاس بمدى خدمتها للإنسان، لا بمدى تطورها التقني.
وأؤمن بأن نجاح المدرسة في المستقبل لن يكون في امتلاكها أحدث التقنيات، بل في قدرتها على تخريج إنسان يجمع بين الكفاءة والقيم، بين التفكير والضمير، وبين الذكاء التقني والذكاء الإنساني. لأن المستقبل، في النهاية، لن يحتاج إلى عقول ذكية فقط، بل إلى عقول حكيمة تعرف كيف تجعل من التكنولوجيا وسيلة لبناء الإنسان، لا بديلاً عنه.
✓ ما تقييمك لواقع التكوين الرقمي للأطر التربوية بالمغرب؟ وهل يحتاج المدرسون اليوم إلى كفايات جديدة لمواكبة التحولات الراهنة؟
أعتقد أن الحديث عن التكوين الرقمي للأطر التربوية أصبح اليوم ضرورة استراتيجية، لأن التحولات التي يشهدها العالم لا تمنحنا ترف الانتظار. لقد عرفت منظومة التربية والتكوين في المغرب خلال السنوات الأخيرة جهودًا مهمة في مجال التكوين الرقمي، سواء من خلال برامج وطنية أو مبادرات مؤسساتية، كما برهن عدد كبير من الأساتذة على قدرة لافتة على التكيف مع المستجدات، خاصة خلال فترة التعليم عن بُعد، حيث أبانوا عن روح المبادرة والابتكار رغم محدودية الإمكانات في بعض الأحيان.
لكن، في المقابل، أرى أن المرحلة التي نعيشها اليوم تتطلب الانتقال من منطق تعلم الأدوات الرقمية إلى منطق بناء الكفايات الرقمية التربوية. فالمدرس لا يحتاج فقط إلى معرفة كيفية تشغيل تطبيق أو استخدام منصة تعليمية، بل يحتاج إلى أن يمتلك رؤية بيداغوجية تجعله قادرًا على اختيار الأداة المناسبة، وتوظيفها بما يخدم أهداف التعلم، ويراعي الفروق الفردية، ويحفز التفكير والإبداع لدى المتعلمين.
لقد أتاح لي مساري المهني، سواء من خلال التدريس أو تأطير الورشات التكوينية لفائدة الأساتذة، أن ألمس تعطشًا حقيقيًا لدى الكثير من الأطر التربوية للتطوير المهني، ورغبة صادقة في مواكبة المستجدات. وهذا مؤشر إيجابي ينبغي استثماره، لأن نجاح أي إصلاح لا يرتبط بالوسائل وحدها، بل بوجود فاعلين يؤمنون بالتغيير ويملكون الاستعداد للانخراط فيه.
واليوم، مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، أعتقد أن الكفايات المطلوبة من المدرس أصبحت أوسع وأكثر تعقيدًا. فنحن بحاجة إلى مدرس يمتلك كفايات رقمية، لكنه يحتاج أيضًا إلى كفايات في التفكير النقدي، وتصميم التعلمات، وتحليل البيانات التعليمية، والتربية على المواطنة الرقمية، وفهم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، حتى يستطيع توجيه المتعلمين نحو استخدام واعٍ ومسؤول لهذه التقنيات.
ومن جهة أخرى، أرى أن التكوين المستمر ينبغي ألا يكون مناسبات متفرقة أو دورات معزولة، بل مسارًا مهنيًا مستدامًا يواكب الأستاذ في مختلف مراحل تجربته المهنية، ويمنحه فرصة التعلم من زملائه، ومن البحث العلمي، ومن التجارب الناجحة داخل المغرب وخارجه. فالتعلم المستمر لم يعد امتيازًا، بل أصبح جزءًا من الهوية المهنية للمدرس في القرن الحادي والعشرين.
وأعتقد أيضًا أن من المهم أن نمنح الأستاذ مساحة للتجريب دون الخوف من الخطأ. فالابتكار التربوي لا يولد في بيئة تبحث عن الكمال، بل في بيئة تعتبر التجريب والتأمل في الممارسة جزءًا من التطوير المهني. وكلما شعر الأستاذ بأن المؤسسة تثق في اجتهاده، وتشجعه على المبادرة، ازدادت قدرته على الإبداع.
وفي تقديري، فإن مستقبل المدرسة المغربية لن يتوقف على امتلاك أحدث التقنيات، بل على امتلاك مدرس متعلم؛ مدرس يطور نفسه باستمرار، وينفتح على المستجدات، ويؤمن بأن رسالته لا تتوقف عند نقل المعرفة، بل تمتد إلى إعداد إنسان قادر على التعلم مدى الحياة. فالمعلم الذي يتوقف عن التعلم، يصعب عليه أن يُلهم الآخرين حب التعلم، أما المعلم الذي يجعل من التطور عادةً يومية، فإنه يربي، بسلوكه قبل كلماته، جيلاً يؤمن بأن التعلم رحلة لا تنتهي.
✓ من خلال تجربتك، ما هي أهم الإصلاحات التي يحتاجها التعليم المغربي حتى يصبح أكثر قدرة على إعداد أجيال المستقبل؟
عندما نتحدث عن إصلاح التعليم، غالبًا ما ينصرف النقاش إلى المناهج، أو البنيات التحتية، أو أنظمة التقويم. ورغم أهمية هذه الجوانب، فإنني أعتقد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من سؤال أعمق: أي إنسان نريد أن تُخرجه المدرسة المغربية؟ فعندما تتضح صورة الإنسان الذي نسعى إلى بنائه، يصبح من الأسهل إعادة النظر في البرامج، وطرائق التدريس، والتكوين، والتقييم.
من خلال تجربتي في تدريس الفلسفة، ومواكبتي لعدد من المبادرات التربوية والتكوينية، أرى أن المدرسة المغربية مطالبة اليوم بالانتقال من منطق نقل المعرفة إلى منطق بناء الكفايات. فالمتعلم لم يعد يحتاج فقط إلى اكتساب المعلومات، لأن المعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، بل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يبدع، وكيف يتعاون مع الآخرين، وكيف يتخذ قرارات مسؤولة في عالم سريع التغير.
ومن الإصلاحات التي أراها أساسية أيضًا، الاستثمار في المدرس. فلا يمكن الحديث عن مدرسة المستقبل دون تمكين الأستاذ من تكوين مستمر يواكب التحولات العلمية والتكنولوجية، ومنحه الثقة والفضاء اللازمين للإبداع والتجريب. لقد أثبتت التجربة أن الأستاذ المغربي يمتلك كفاءات كبيرة وروحًا ابتكارية متميزة، لكنه يحتاج إلى منظومة تشجع المبادرة، وتثمن التجارب الناجحة، وتعتبره شريكًا في الإصلاح، لا مجرد منفذ له.
كما أؤمن بضرورة إعادة النظر في فلسفة التقويم. فما زالت المدرسة، في كثير من الأحيان، تقيس قدرة المتعلم على استرجاع المعلومات أكثر من قياسها لقدرته على التفكير والتحليل والإبداع. وإذا كنا نتحدث عن إعداد أجيال المستقبل، فإننا بحاجة إلى تقويم يُنصف مهارات القرن الحادي والعشرين، ويشجع المبادرة، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والتواصل، وليس الحفظ فقط.
ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز الانفتاح على البحث العلمي والابتكار التربوي، وربط المدرسة بالجامعة، وتشجيع الشراكات مع مختلف الفاعلين، حتى تصبح المؤسسة التعليمية فضاءً للتجريب وإنتاج الحلول، لا مجرد فضاء لتطبيقها. فالإصلاح الناجح هو الذي يُبنى انطلاقًا من الواقع، ويستفيد من الخبرات الميدانية، ويمنح الباحثين والممارسين فرصة الإسهام في صناعة القرار التربوي.
وأخيرًا، أعتقد أن أي إصلاح لن يحقق أهدافه إذا لم يجعل الإنسان في قلب العملية التعليمية. فالتكنولوجيا، والمناهج، والقوانين، كلها وسائل، أما الغاية فهي بناء مواطن يمتلك المعرفة، ويتحلى بالقيم، ويؤمن بالمسؤولية، ويستطيع أن يتكيف مع المتغيرات دون أن يفقد هويته.
وأنا مؤمنة بأن المدرسة التي نحتاجها في المستقبل ليست المدرسة التي تُعد المتعلم لاجتياز الامتحان فقط، بل المدرسة التي تُعده للحياة. فالنجاح الحقيقي للتعليم لا يُقاس بعدد الشهادات التي يمنحها، وإنما بعدد العقول التي يحررها، والطاقات التي يكتشفها، والإنسان الذي يسهم في بنائه.
✓هل توجد اليوم بيئة مؤسساتية مشجعة على الابتكار التربوي داخل وزارة التربية الوطنية؟ وإلى أي حد تنفتح الوزارة على المبادرات الفردية والمشاريع المبتكرة؟
أعتقد أن من الإنصاف القول إن السنوات الأخيرة عرفت اهتمامًا متزايدًا بقضايا الابتكار التربوي والتحول الرقمي، سواء من خلال المشاريع الإصلاحية التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية، أو من خلال تشجيع عدد من المبادرات المرتبطة بتطوير الممارسات التعليمية، والتكوين المستمر، وإدماج التكنولوجيا في التعليم. وهذا يعكس وجود وعي متنامٍ بأن المدرسة لم تعد قادرة على مواجهة تحديات العصر بالآليات التقليدية وحدها.
لكن، في المقابل، أرى أن الابتكار التربوي لا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بمبادرات ظرفية أو بمجهودات فردية معزولة، بل يحتاج إلى أن يتحول إلى ثقافة مؤسساتية. فالمعلم الذي يجرب، ويبتكر، ويبحث عن حلول جديدة داخل قسمه، ينبغي أن يشعر بأن مؤسسته تحتضن هذه المبادرات، وتمنحه الثقة، وتوفر له فضاءات للتقاسم والتطوير، وتثمن ما يحققه من أثر على تعلم التلاميذ.
ومن خلال تجربتي، سواء داخل القسم أو في الورشات التكوينية والملتقيات العلمية، أدركت أن المدرسة المغربية تزخر بكفاءات متميزة، وبأساتذة يبدعون يوميًا في ظروف ليست دائمًا سهلة. وكثيرًا ما تكون هناك تجارب رائدة تستحق أن تنتقل من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني، لأنها تقدم حلولًا عملية نابعة من واقع المدرسة المغربية، وليس من نماذج مستوردة.
كما أعتقد أن الانفتاح على المبادرات الفردية يمثل استثمارًا حقيقيًا في الرأسمال البشري. فغالبًا ما تبدأ الأفكار الكبرى بمبادرات صغيرة يقودها أشخاص يؤمنون بإمكانية التغيير. لذلك، كلما كانت هناك آليات واضحة لتقاسم التجارب الناجحة، وتشجيع البحث الإجرائي، وربط نتائج الممارسة الميدانية بصناعة القرار التربوي، أصبح الإصلاح أكثر واقعية واستدامة.
ومن جهة أخرى، أرى أن المرحلة المقبلة تقتضي تعزيز جسور التعاون بين الوزارة، والجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات التعليمية، حتى يصبح الابتكار قائمًا على المعرفة العلمية، وليس فقط على الاجتهاد الفردي. فالتجربة الميدانية تحتاج إلى البحث العلمي لتطويرها، كما يحتاج البحث العلمي إلى المدرسة حتى يظل مرتبطًا بقضاياها الحقيقية.
وأنا بطبيعتي أميل إلى التفاؤل، لأنني أؤمن أن أي منظومة تعليمية تمتلك طاقات بشرية مؤمنة برسالتها قادرة على التطور. لكن هذا التفاؤل يرتبط أيضًا بضرورة توفير بيئة تجعل المبادرة قيمة مؤسساتية، لا استثناءً. فالابتكار لا يُفرض بقرار، بل ينمو عندما يشعر المربي أن فكرته مسموعة، وأن تجربته محل تقدير، وأن الخطأ في سبيل التجريب هو جزء من التعلم وليس سببًا للعقاب.
وفي تقديري، فإن المدرسة التي تشجع الابتكار ليست فقط تلك التي تُدخل تقنيات جديدة، بل تلك التي تمنح معلميها وتلامذتها الحق في التفكير، والتجريب، والتطوير المستمر. فكل إصلاح حقيقي يبدأ بفكرة، وكل فكرة تحتاج إلى بيئة تؤمن بها قبل أن تؤتي ثمارها.
✓ كيف تنظرين إلى دور الشراكات بين المدرسة والجامعة والقطاع الخاص في تسريع التحول الرقمي للتعليم؟
في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم يعد من الممكن أن تعمل المدرسة بمعزل عن محيطها. فالتحديات التي تواجه التعليم اليوم، سواء كانت مرتبطة بالتحول الرقمي، أو بسوق الشغل، أو بتنمية الكفايات المستقبلية، تتجاوز قدرة أي مؤسسة على معالجتها بمفردها. لذلك، أرى أن الشراكة لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لبناء منظومة تعليمية قادرة على مواكبة التحولات.
فالجامعة، بما تنتجه من بحوث ومعارف، تمتلك القدرة على إمداد المدرسة بالأسس العلمية التي تساعد على تطوير الممارسات التربوية، في حين توفر المدرسة للجامعة مجالًا لاختبار نتائج البحث في الواقع الميداني. ومن هنا، فإن العلاقة بين المؤسستين ينبغي أن تقوم على التكامل، بحيث لا يبقى البحث الأكاديمي حبيس الرفوف، ولا تظل الممارسة التربوية بعيدة عن نتائج البحث العلمي.
أما القطاع الخاص، فأرى أن دوره يمكن أن يكون مهمًا إذا انطلق من منطق المسؤولية المجتمعية، وليس فقط من منطق الاستثمار الاقتصادي. فهو يمتلك خبرات تقنية، وإمكانات في مجال الابتكار، وقدرة على تطوير حلول رقمية يمكن أن تساهم في تحسين جودة التعلم، شريطة أن تظل المدرسة هي التي تحدد الأهداف التربوية، وأن تبقى التكنولوجيا في خدمة المشروع التربوي، لا العكس.
ومن خلال مشاركتي في عدد من المؤتمرات العلمية، والورشات التكوينية، والمبادرات التي جمعت بين فاعلين من مجالات مختلفة، أدركت أن أكثر التجارب نجاحًا هي تلك التي قامت على تبادل الخبرات، واحترام خصوصية كل طرف، والعمل حول هدف مشترك هو تحسين تعلم التلميذ. فالتحول الرقمي لا يحتاج فقط إلى خبراء في التكنولوجيا، بل يحتاج أيضًا إلى خبراء في التربية، وعلم النفس، والفلسفة، والعلوم الاجتماعية، لأن التعليم مشروع إنساني قبل أن يكون مشروعًا تقنيًا.
كما أعتقد أن المجتمع المدني بدوره شريك أساسي في هذا المسار، لما يقوم به من أدوار في نشر الثقافة الرقمية، وتأطير الشباب، وتنفيذ مبادرات تربوية مبتكرة. وقد لمست شخصيًا، من خلال عملي الجمعوي والتأطيري، كيف يمكن لمبادرات بسيطة، عندما تقوم على التعاون بين مختلف الفاعلين، أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في حياة المتعلمين.
وفي تقديري، ينبغي أن تتجه هذه الشراكات مستقبلًا نحو بناء منظومات للابتكار التربوي، تتيح للأساتذة والباحثين والمطورين العمل معًا على إنتاج حلول تستجيب لخصوصية المدرسة المغربية، بدل الاكتفاء باستيراد نماذج جاهزة قد لا تنسجم دائمًا مع واقعنا.
وأعتقد أن نجاح أي شراكة لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقع، بل بالأثر الذي تتركه في القسم الدراسي، وفي تعلم التلميذ، وفي تطوير أداء الأستاذ. فحين تلتقي المدرسة بالجامعة، ويضع القطاع الخاص إمكاناته في خدمة التربية، ويتحول الجميع إلى شركاء في بناء الإنسان، يصبح التحول الرقمي أكثر من مجرد تحديث للتقنيات؛ يصبح مشروعًا مجتمعيًا يصنع مستقبلًا أكثر علمًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر إنسانية
✓ما هي المشاريع أو الأبحاث التي تعملين عليها حاليًا؟ وما الأهداف التي تسعين إلى تحقيقها خلال السنوات المقبلة؟
يمكنني القول إن جميع المشاريع التي أشتغل عليها اليوم، سواء في البحث العلمي أو في الممارسة الميدانية، تلتقي عند سؤال واحد: كيف نبني مدرسة قادرة على إعداد الإنسان لعالم يتغير بسرعة، دون أن يفقد هذا الإنسان إنسانيته؟ هذا السؤال هو الخيط الناظم لمساري الأكاديمي والمهني، وهو ما يوجه اختياراتي البحثية والتربوية.
على المستوى الأكاديمي، أواصل اشتغالي في مجال البحث التربوي، مع اهتمام خاص بقضايا التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي في التعليم، والابتكار التربوي، وهندسة التجربة التعليمية. ويهمني بشكل خاص أن أنتج معرفة تربوية تنطلق من واقع المدرسة المغربية، وتقدم تصورات عملية قابلة للتطبيق، لأنني أؤمن بأن قيمة البحث العلمي لا تكمن فقط في تشخيص الإشكالات، بل أيضًا في اقتراح حلول يمكن أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في الميدان.
وبالتوازي مع ذلك، أواصل تأطير الورشات التكوينية لفائدة الأساتذة والتلاميذ، في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والمواطنة الرقمية، والتفكير الإبداعي، والمهارات المستقبلية، لأنني أعتبر أن التكوين المستمر هو أحد أهم مداخل تطوير المدرسة. كما أسعى إلى الاستمرار في المشاركة في المؤتمرات والملتقيات العلمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تبادل الخبرات والتجارب يثري الممارسة التربوية ويعزز ثقافة التعلم المستمر.
ومن المشاريع التي أطمح إلى تطويرها خلال السنوات المقبلة، بناء نماذج تربوية تجمع بين الفلسفة وعلوم التربية والتكنولوجيا، بما يتيح إعادة تصميم التجربة التعليمية بصورة تجعل المتعلم أكثر فاعلية، وأكثر استقلالية، وأكثر قدرة على التفكير النقدي والإبداع. وأتمنى أيضًا أن أساهم في إنتاج موارد علمية وتكوينية باللغة العربية، لأننا في حاجة إلى محتوى تربوي رصين يواكب التحولات العالمية ويستجيب في الوقت نفسه لخصوصيات بيئتنا التعليمية.
كما يهمني أن أواصل حضوري في الفضاء العمومي من خلال الكتابة، والتأطير، والمشاركة الإعلامية، لأنني أؤمن بأن قضايا التربية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المؤسسات التعليمية أو الأوساط الأكاديمية، بل يجب أن تصبح موضوعًا للنقاش المجتمعي، باعتبار أن الاستثمار في التربية هو استثمار في مستقبل الوطن.
أما على المستوى الشخصي، فأنا لا أبحث عن مشروع يرتبط باسمي بقدر ما أبحث عن أثر يبقى بعدي. وإذا كان لي طموح حقيقي، فهو أن أُسهم، ولو بقدر بسيط، في ترسيخ ثقافة تربوية تجعل المدرسة فضاءً لاكتشاف الإنسان، قبل أن تكون فضاءً لاكتساب المعارف.
وأؤمن أن الباحث الحقيقي لا يتوقف عند الإجابة عن أسئلة الحاضر، بل يحاول أن يستشرف أسئلة المستقبل. ولذلك فإن هدفي في السنوات المقبلة ليس فقط مواكبة التحولات التي يشهدها التعليم، بل الإسهام في التفكير فيها وصناعة جزء من ملامحها. فالمستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى، وأفضل طريق لبنائه هو أن نستثمر في الإنسان، لأنه يظل دائمًا أعظم مشروع يمكن أن تعمل عليه التربية.
✓لو أُتيحت لك فرصة توجيه رسالة إلى صناع القرار في قطاع التعليم، فما الأولويات التي ترين ضرورة الاشتغال عليها بشكل عاجل؟
إذا أتيحت لي فرصة توجيه رسالة إلى صناع القرار، فلن أتحدث عن التعليم باعتباره قطاعا من قطاعات الدولة، بل باعتباره المشروع الوطني الذي تُبنى عليه جميع المشاريع الأخرى. فكل استثمار في البنية التحتية أو الاقتصاد أو التكنولوجيا يظل رهينًا بجودة الإنسان الذي سيتولى قيادته. ولهذا، فإن الاستثمار في التربية هو في جوهره استثمار في مستقبل الوطن.
وأعتقد أن الأولوية الأولى تتمثل في الاستثمار في الرأسمال البشري داخل المدرسة، وفي مقدمة ذلك المدرس. فالمدرس هو الفاعل الذي يحول الرؤى والإصلاحات إلى واقع داخل الفصل الدراسي. لذلك يحتاج إلى تكوين مستمر يواكب التحولات المتسارعة، وإلى بيئة مهنية قائمة على الثقة والتحفيز، وإلى فضاءات تمكنه من البحث والتجريب والابتكار. فكلما شعر الأستاذ بأنه شريك في الإصلاح، ازدادت فرص نجاح هذا الإصلاح.
أما الأولوية الثانية، فهي بناء مدرسة تضع التعلم في مركز اهتمامها، لا مجرد النجاح في الامتحانات. لقد تغير العالم، وأصبحت الحاجة ملحة إلى تعليم ينمي التفكير النقدي، والإبداع، والقدرة على حل المشكلات، والتواصل، والعمل الجماعي، والذكاء العاطفي، وهي كفايات ستحدد مكانة الأجيال القادمة في مجتمع المعرفة أكثر مما ستحدده كمية المعلومات التي تحفظها.
كما أرى أن التحول الرقمي ينبغي أن يستمر، لكن في إطار رؤية تربوية واضحة تجعل التكنولوجيا وسيلة لتجويد التعلمات وتحقيق الإنصاف، لا غاية في حد ذاتها. فنجاح أي مشروع رقمي يقاس بأثره على تعلم التلميذ، وليس بعدد المنصات أو الأجهزة التي يتم توفيرها.
وأتمنى أيضًا أن يحظى البحث التربوي بمكانة أكبر في صناعة القرار. فالمغرب يزخر بكفاءات أكاديمية وباحثين وممارسين يمتلكون خبرات ميدانية مهمة، ويمكن أن يشكلوا قوة اقتراحية حقيقية إذا تم تعزيز الجسور بين الجامعة، والمدرسة، وصناع القرار. فالإصلاحات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تُبنى على نتائج البحث العلمي، وعلى الإنصات لتجارب الفاعلين داخل الميدان.
ومن الأولويات التي أعتبرها أساسية كذلك، ترسيخ ثقافة الابتكار داخل المؤسسات التعليمية، وتشجيع المبادرات المتميزة، وتثمين التجارب الناجحة، لأن المدرسة المغربية تزخر بطاقات كبيرة تستحق أن تجد فضاءات للاحتضان والتطوير.
وفي ختام رسالتي، أود أن أقول إن إصلاح التعليم ليس سباقًا نحو المستقبل فحسب، بل هو مسؤولية تجاه الأجيال القادمة. فكل قرار نتخذه اليوم داخل المدرسة ستكون له انعكاسات تمتد لسنوات طويلة. لذلك، لنجعل من المدرسة فضاءً يبني الإنسان قبل أن يلقنه، ويغرس فيه حب التعلم قبل أن يطالبه بالنجاح، ويمنحه الثقة في نفسه قبل أن يطالبه بتغيير العالم.
ففي النهاية، قد ننجح في بناء مدارس أكثر حداثة، لكن الرهان الحقيقي سيظل هو أن نبني، داخل هذه المدارس، إنسانًا يمتلك المعرفة، ويحسن استخدامها، ويؤمن بأن العلم لا تكتمل قيمته إلا عندما يقترن بالأخلاق، وأن مستقبل الأوطان يبدأ دائمًا من القسم الدراسي.
✓ وأخيرًا، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى التلميذات والتلاميذ والمدرسين الذين يتابعون باهتمام التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
أود أن أبدأ بالتلاميذ، لأنهم قلب العملية التعليمية وسبب وجودها. أقول لهم: أنتم تنتمون إلى جيل يعيش مرحلة استثنائية في تاريخ البشرية؛ جيل أصبح بإمكانه الوصول إلى المعرفة بطرق لم تكن متاحة للأجيال السابقة. وهذه نعمة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. لا تجعلوا التكنولوجيا تختصر رحلتكم في التعلم، بل اجعلوها توسع آفاقكم. لا تكتفوا بالحصول على الإجابات، بل تعلموا كيف تطرحون الأسئلة، وكيف تتحققون من صحة المعلومات، وكيف تحولون المعرفة إلى أفكار ومبادرات تخدم مجتمعكم.
وأقول لهم أيضًا: لا تسمحوا للذكاء الاصطناعي أن يفكر بالنيابة عنكم. استخدموه لتطوير قدراتكم، لا لاستبدالها. فالإنسان لا يتميز بقدرته على الوصول إلى المعلومة فقط، وإنما بقدرته على التأمل، والإبداع، والتعاطف، واتخاذ المواقف الأخلاقية. وهذه قيم لا يمكن لأي آلة أن تمنحها لكم.
أما رسالتي إلى زميلاتي وزملائي المدرسين، فهي رسالة تقدير قبل أن تكون رسالة دعوة. أعرف حجم المسؤولية التي يحملها الأستاذ اليوم، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وأدرك أن مواكبة هذه التحولات ليست بالأمر السهل. لكنني أؤمن أيضًا أن مهنة التعليم كانت دائمًا مهنة التعلم المستمر. وكل مرحلة تاريخية كانت تفرض على المربي أن يطور أدواته ورؤيته، واليوم نحن أمام فرصة جديدة لإعادة اكتشاف رسالتنا التربوية.
لا تنظروا إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافسًا، بل اعتبروه فرصة لتحريركم من بعض المهام الروتينية، حتى تمنحوا وقتًا أكبر لما لا يستطيع أحد أن يقوم به غيركم: بناء الثقة، واكتشاف مواهب المتعلمين، وإيقاظ فضولهم، ومرافقتهم في بناء شخصياتهم. فكلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت قيمة المعلم الذي يمتلك الحكمة، والقدرة على الإلهام، والوعي برسالته.
وأود أن أختم برسالة أؤمن بها بعمق، وهي أن مستقبل التعليم لن يُحسم في المختبرات التي تطور الخوارزميات، بل داخل الأقسام الدراسية التي تُبنى فيها العقول والضمائر. قد تتغير الأدوات، وتتطور التقنيات، وتتبدل المهن، لكن سيظل الإنسان هو الغاية الأولى للتربية.
لقد علمتني الفلسفة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرفه فقط، بل بما يفعله بما يعرف. وعلمتني التربية أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به المجتمعات هو أن تمنح أبناءها القدرة على التفكير بحرية، والتعلم باستمرار، والعمل بمسؤولية.
لذلك، أتمنى أن نبني معًا مدرسة لا تكتفي بإعداد متعلم يجيد استخدام التكنولوجيا، بل تُخرّج إنسانًا يعرف لماذا يستخدمها، وكيف يوظفها لخدمة مجتمعه، وكيف يحافظ، وسط هذا التسارع الرقمي، على أجمل ما يملكه الإنسان: عقله الناقد، وقلبه الرحيم، وضميره الحي.
فقد ننجح في صناعة آلات أكثر ذكاءً كل يوم، لكن التحدي الحقيقي سيبقى دائمًا هو أن نصنع إنسانًا أكثر حكمة.