
بقلم: رضوان الفلاح
في تلك الليلة لم ينزل المطر… نزل القدر.
نزل من السماء كسيل جارف لا يسأل عن باب ولا عن نافذة. دخل بيوتنا كما يدخل الحزن قلبا بلا استئذان.
كانت الشوارع أنهارا، والبيوت قوارب ورقية.
سمعت بكاء الجدران وهي تتشقق، وصراخ الذكريات وهي تغرق. الدفاتر المدرسية تحولت لعجينة، وصور الأعراس طفت فوق الماء كجث بيضاء.
حتى الرائحة تغيرت… رائحة الطين اختلطت برائحة الخوف.
الفيضان لم يأخذ الأسقف فقط. أخذ معه الأمان.
اليوم كل غيمة تمر فوقنا نرفع رؤوسنا فزعا، وكل قطرة مطر نسمعها في الليل نستيقظ مرعوبين.
“أخلو المدينة” … كلمتان سقطتا كالصاعقة.
فجأة وجدنا أنفسنا نحمل بيوتنا على ظهورنا.
أم تحمل رضيعها وشهادة ازدياده المبللة، وأب يجر عربة فيها بطانية و”بوطة” الغاز، وطفل يتشبث بلعبته الوحيدة التي لم يبتلعها الطين.
مشينا في طوابير الصمت نحو المجهول.
المدارس التي كنا نتعلم فيها الحروف، أصبحت اليوم بيوتا لنا. افترشنا الأرض التي كتبنا عليها ذات يوم “وطني”.
الخيام نصبت كالقبور البيضاء في الساحة. وفي كل خيمة حكاية وجع.
وفي ركن القاعة، كان الصوت الأقسى.
صوت الأطفال.
لم يبكوا على الطين ولا على البرد. كانوا يسألون ببراءة توجع القلب:
“ماما، فين مشات قطتي؟”
“بابا، واش غادي نرجعو نقراو فمدرستنا ولا سالات؟”
“علاش السماء كتبكي بزاف هكا؟”
كانوا يلعبون بالحجارة فوق الأرض الإسمنتية، ويصنعون من الكراطين بيوتا صغيرة. يبنون ما هدمه الماء بأصابعهم.
وفي الليل، بدل حكايات “كان يا مكان” سمعوا حكاية واحدة: حكاية الرحيل.
فنومهم صار متقطعا، وأحلامهم صارت كلها ماء.
لكن وسط كل هذا الغرق، كان هناك طوق نجاة اسمه “الجار”.
الجار الذي قسم معك الخبز الأخير، والذي أعطاك “باش” يغطي به أولادك.
الذي سهر يحرس خيمتك وانت ناعس من التعب، والذي قال لك: “ما تخافش، حنا خوت”.
رأيت شباب الحي ينزلون بالمعاول لينقذوا العجائز، ونساء يطبخن في قدر واحد لإطعام 10 أسر.
رأيت من لم يغرق بيته يفتح بابه على مصراعيه ويقول: “ديورنا ديوركم”.
الفيضان أراد أن يفرقنا… فجمعنا.
أراد أن يكسرنا… فقوانا.
مخلفات الفيضان ليست في الطين الذي لطخ الجدران.
المخلفات في عين الأم التي تفتش كل صباح عن شيء من جهاز ابنتها.
في يد العامل الذي كان يقتات من دكان صغير، واليوم يقتات من قفة إعانة.
في قلب المدينة التي انقسمت نصفين: نصف يضحك ونصف يبكي تحت نفس السماء.
نريد مدينة لا تخاف من الغيم.
نريد بيوتا لا نهرب منها، بل نهرب إليها.
نريد أن نعود ليس فقط بالطوب والإسمنت، بل بالكرامة.
نريد أن نمسح الطين عن أسمائنا قبل أن نمسحه عن أزقتنا.
الفيضان علمنا أننا ضعفاء أمام الطبيعة، لكنه علمنا أيضا أننا أقوياء ببعضنا.
يد ساعدت يد، ورغيف تقاسمته أسرتان، ودعوة خرجت من قلب مشرد فوصلت للسماء
سيرحل الماء يوما، وسيبقى الطين.
لكنني أؤمن أننا سنزرع في هذا الطين زهرا.
وسنبني من جديد… ليس فوق أنقاض بيوتنا، بل فوق أنقاض خوفنا.
فالمدن لا تموت بالغرق… المدن تموت إذا نسيناها.
ونحن لن ننسى.