حول بعض قضايا الإبداع والتلقي

منذ 3 ساعات
Oplus_131072

بقلم الأستاذ : عبد الحميد الزفري
في خضم مايكتب اليوم عموديا كان أو أفقيا يخص الشعر من منطلق ساذج إلى حد ما ، ويرى أصحابه أن مصدرهم الشعور ، فيضفون على ذواتهم صفة الشاعرية ، وحتى الباحثين الذين ناصروا هذا أو ذاك رفض بعضهم الدخول في صراع مع من مثل اللون الشعري الذي لم يستسغوه بدعوى أنه لم تعد له كما في السابق ذات القدرة على الهيمنة في ظل التحولات الكبرى للقيم الإنسانية و الجمالية الفنية التي وصل إليها اليوم ، لهذا تنحوا عن الدخول في سجال مع سقفه المعياري بحجة أنه لا يستجيب في الوقت الراهن لما بإمكانه أن يحقق لشعراء هذا التيار أو ذاك امتياز معانقة الكونية جراء طوق الضوابط التي اتخذت صبغة القانون الصارم الذي لا محيد عنه ، وهو ما أفرز فكرة التجاوز : الشعر العمودي أصبح متجاوزا ولا يعبر عن إشكالات الحاضر المتشابكة ، وشعر التفعيلة كانت له دوافعه التاريخية ، فلم يعد الآن قادرا على التعبير عن معضلاتنا الحياتية ، وقصيدة النثر كما رسمت خطوطها الفرنسية سوزان برنار أمست غير ملائمة لإنتاج الأسئلة الواعية بقضايانا الكبرى .
مع كل هذا التدافع في تحصين القلاع الخاصة بكل طيف شعري قد نتفق جميعا وفي كل الأحوال على قداسة الحق في التعبير لدى جميع من يمثل هذا المقول الشعري أو ذاك عن مشاعره وبكل حرية .
أن تكون مغربيا عربيا أو أمازيغيا أو صحراويا أو تنتمي إلى الجيل القديم أو الجديد فهذا لا يغير من جوهر وعمق العملية الإبداعية في شيء .
ثم أن هذا الاختلاط المتوحش الذي تعيشه ذواتنا ويغذي وعينا من خلال روافده المتعددة ( المقروء ودرجة الإقبال عليه – مواقع التواصل الاجتماعي – عالم الصورة – التشكيل –
السينما – الموسيقى … ) لا يقوى على تذويبه واستثماره إلا كل مبدع أوتي مصفاة قادرة على تفكيك هجانة ذلك التوحش الذي يعايشه يوميا فيلقي بنفسه في عالم التجريب حتى يعثر على الانسجام فيما يبدعه : كتابة ومضمونا .
نأتي إلى أهم المعضلات التي تواجه الكتابة وهي اللغة باعتبارها الرداء الذي يتلبس الإبداع والوديعة التي استلمناها عبر مسارنا الدراسي بنحوها وصرفها وتراكيبها ومعجمها …
خلال العملية الإبداعية يقوم المبدع بتطويعها لتخدمنا كمتلقين حينما يقدمها لنا باقة ورد في غاية ( الإمتاع والمؤانسة ) ، لكن أحيانا المتخيل الجمعي يحول دون هذا التطويع السليم لأنه تتشابك عناصر عدة فيه :
اللغة الأم من جهة ، لغة الطفولة ، لغة الشارع ( العامية ) المقروء بكل تلويناته ، دبلجة الأفلام الأجنبية ( سماعا أو قراءة ) … وهي ظاهرة جعلت اللغة عند فئة من الجيل الجديد لا تبعث على الارتياح ( بعض المنجزات تداخلت فيها العامية المحلية والمصرية مع الفصيح ) .
إذن التحدي المطروح أمام هذه الكتابات الناشئة أدبيا بعيدا عن أي صراع مفتعل بدافع مراهنة ساذجة محكومة بتشنجات نفسية ، أحيانا تكون حادة يتخللها سباب وتراشق بالشتائم كما هو الشأن خلال صراع الديكة ، إذ تنأى عن المنافسة الشريفة التواقة إلى حذقة الصنعة .
هذه ليست وصية لأحد ، فالذي يسمي نفسه شاعرا ينبغي أن يتفهم مهما ألقى علينا نصوصه بعد جهد جهيد أو طبخة سريعة ، أن هناك فئات لا تحب الشعر ، وأخرى لا تفهمه ، والثالثة لا تقرؤه .
لذا يتوجب عليه أن يتجه إلى الفئة التي تتذوق ما يكتبه أو يقرأه على مسمعها ، باعتباره لا مجرد شكل من أشكال التعبير فحسب وإنما بفعل ذائقتها الواعية تعتبره تجليا من تجليات بناء جديد للوجود عبر اللغة ، تزداد عندها قيمته بالقدر الذي تقترب فيه من سيمياء شعر كانت تعرفه مسبقا ، وقد حفظت بعضا منه ، أما اليوم فهناك جيل يتذوق هذا الشعر الجديد لا لابتعاده عن القديم المكرور بمعماره الفني : بحرا وقافية ، بل تندغم روحه مع الشعر الباحث عن سيميائه الخاصة المقاربة لواقعه والملامسة لمعضلاته الوجودية ، وهذا لا يمنع من كونه مطالبا أن يوقن بأن ما يحسبه جديدا الآن هو متجاوز فيما بعد ، تآكلته تطورات اللحظة التي أفرزته .
على هذا الأساس لزمه أن يدرك الفرق بين الإبداع والبدعة :
( الإبداع يعكس أغوار الحياة ) و ( البدعة تعكس زبد الحياة ، فهي زي ) ” ومن يؤخذ بالزي يكسر كالغصن ، ومن يؤخذ بالإبداع ينغرس كالشجرة وينهض ، يبدأ كل شيء ، يخلق كل شيء ، يسأل ويغير ، يتجاوز حتى نفسه ، يعطي ولا يأخذ ، وإن أخذ فليس من أجل أن يأخذ ، بل من أجل أن يزداد عطاء ” حسب تعبير أدونيس .
فكن من شئت ، مع الإبداع الذي ينغرس في حياتنا بقيمه السامية ، أو مع البدعة وزبدها الذاهب جفاء لا ينفع الناس .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading