
– الأستاذة :نسيبة الطود
حكايتي مع الماء بدأت سنة 1963 حين ثار اللكوس وغمرت المياه بيت جدي بحي سيدي الكامل ، حيت أرسل والدي قاربا يقلنا إلى بيت عمتي صفية بالطابية لنستقر معها بالطابق العلوي حتى تهدأ ثورة النهر ، بينما كانت أمي تركب القارب انزلقت وأنا رضيعة يومها من بين يدي المساعدة فاطمة الريفية في الماء وأنقذت بسرعة وبأعجوبة من الغرق ، ظلت الحكاية تردد على مسامعي كلما حل فصل الشتاء سنة بعد سنة .
منذ الطفولة الأولى ، كلما اقترب فصل الشتاء ،تشرع الأسر في تدبر أمورها تحسبا لثورة نهر لوكوس ، تعيش المدينة طيلة الفصل على إيقاع التساقطات أياما طويلة بلياليها ونهارها فقد كان الفصل المطير يطيل المقام .
في بيت العائلة كان الكبار يستعدون للفيضان استعدادهم لمواجهة عدو ، يقومون بتنظيف السهاوي – السدة – و تأثيتها بالحصائر و بطانات الغنم – الهياضر – ، يتزودون بالشموع و بالأغذية كالخليع والشريحة و الدشيشة والبيصارة والزيت والعسل و الحليب المجفف . كان والدي رحمة الله عليه يتقصي أخبار النهر من حين لآخر ويراقب مجاري قنوات الصرف في الأماكن المنخفضة بالبيت والتي كانت تشعرنا بقرب دخول الفيضان على حين غرة ، بينما تتولى أمي رفع الأثاث ، لنصعد جميعنا إلى السهوة حيث نظل نراقب دخول هذا الزائر المزعج ودرجة ارتفاعه إلى أن ينصرف ويخلف وراءه الأوحال والقاذورات التي كانت تتطلب مجهودا كبيرا للتنظيف.
في شهر يناير 1977 ثار النهر ثورته من جديد وارتفع الماء في الأزقة والشوارع وغمر البيوت وأتلف الأثات، لكن هذه المرة كنا نطل عليه من شرفة الطابق العلوي بحي اسكرينيا وقد هالنا منظر سيارة والدي التي ربطت بالحبال إلى شباك حديقة المنزل مخافة انجرافها مع ” الزراب ” وارتطامها بالجدران والأشخاص، تزامن هذا الحدث مع مقدم أخي الأصغر وحلوله بيننا قبل 40 يوما من الفيضان و مع رحيل جدتي المشمولة بعفو الله ومغفرته إلى رحمة الله يوم الفيضان بالذات الشيء الذي اضطرنا إلى تأجيل تشييع جثمانها إلى مثواه الأخير إلى الغد بعد تراجع المياه.
بعد مرور خمسين سنة من الاطمئنان في ظل منشأة سد وادي المخازن الذي شكل حماية كبيرة للمنطقة عقودا من الزمن ، وبعد سنوات من الجفاف وبسبب التغيرات المناخية حلت سنة 2026 على بلدنا بأمطار غزيرة تسببت في ارتفاع منسوب المياه بالسد حتى كاد يتحول من منقذ إلى مدمر.
أصبحت أخبار القصر الكبير تستأثر بالحيز الكبير من الأخبار الوطنية تنقل تفاصيل ووثيرة امتلاء السد بالإضافة إلى الأخبار الغزيرة والعفوية والدقيقة التي تنقلها مواقع التواصل الاجتماعي ومع أول خروج للمسؤول الجماعي يطلب فيه من الساكنة الصعود إلى الطوابق العليا أو مغادرة المدينة إلى المدن والجبال المجاورة فكرت في أمي وفي كل الأمهات ، فكرت في قبر والدي وقبور كل موتانا التي ستبقى هناك عرضة للفيضان ، فكرت في ماضينا المتجذر هناك وفي حاضرنا ومستقبلنا وكل الروابط التي تربطنا بالمكان .كثفت الاتصال بوالدتي و حثها على عدم التشبث بالبيت وتشجيعها على الرحيل مخافة تدهور الوضع . تغير خطاب المسؤول الجماعي وأصبح أمرا بالإفراغ، تعالت أصوات الفاعلين المدنيين والفاعلات داخل المغرب ومن خارجه تحث الساكنة على المغادرة ، كثفت اتصالاتي بمعارفي ، بجيراني القدامى ، بتلميذاتي ، بزميلاتي في العمل الجمعوي ، بالنساء الوحيدات للاطمئنان عليهن وعلى مدى امتثالهن لقرار الترحيل مع الشعور بالعجز أمام هول الكارثة المرتقبة .
حل بالمدينة أسطول كبير من وسائل الإنقاذ مرفوقا بالجيش والدرك والوقاية المدنية، هب الشباب للدعم والمساعدة ،ارتفع الهلع بارتفاع منسوب المياه بالمنشأة، حلت بالقصر الكبير فعاليات تتوفر على وسائل لوجيستيكية مهمة تسابق الزمن على ترحيل الساكنة في وقت قياسي على متن عشرات القطارات ومئات الحافلات في اتجاه مدن الجهة حيث تشكلت التنسيقيات التي هبت للدعم والمساعدة ، كنت ضمن تنسيقية أبناء وبنات القصر الكبير بطنجة إلى جانب أعضاء تشرفت بالعمل إلى جانبهم /هن ، جفى النوم العيون وعوضه الأرق ، أبنائي خارج الوطن متحسرون على ماضي وحاضر ومستقبل مسقط الرأس وبلد المنشأ ، مهد الصبا ،نتبادل الأخبار ، نرقب النشرات الإنذارية ، نستقرئ السيناريوهات المحتملة ، نتضرع إلى الله أن يجنبنا الكارثة بألطافه الخفية ويحمي الأرض والعباد ، نستحضر حضور الدولة بقوة ، نعتز بالانتماء إلى هذا الوطن الذي يتسع للجميع. كذلك كان،استجاب الله عز وجل لتوسل جميع المنكوبين والمنكوبات وأهاليهم و لدعوات المغاربة أجمعين وحتى الأجانب وجنبنا الكارثة وكتب للساكنة العودة إلى الديار بأقل الأضرار.