
عندما يتعلّق خلقُ الله بالمخلوق، يتعلّق الإنسان بالدنيا الفانية، ويظنّ أنها المنجية، وأن خلاصه لا محالة حين يتمسّك بها، بل يفرط في الاعتماد عليها، حتى يُخيَّل إليك أنها أصبحت إلهًا يُعبد من دون الله؛ بيدها النفع والضر، وإليها تُرفع التوقعات والآمال، ولا حديث إلا عن عالم الأسباب في ملكوت الأشياء، كأنها السيّد المتصرّف في مجرّات المحدثات.
هذا ما أصابنا نحن، مساكين أبناء حاضرة القصر الكبير، حين خرجنا من ديارنا في سابقة هي الأولى في هذا العصر الحديث، وفي هذا الوطن الجريح. خرجنا مكرهين، فارّين، هاربين، هلعين، مذعورين؛ فرارًا من قدر الله إلى حيث قدر الله، معتقدين أن النجاة، وأن حقيقة الانفلات، في التمسّك بحبلٍ رقيق من الأمل.
وهل، يا ترى، يكون الفرار من الله إلى أحدٍ غيره؟
ثم هل النجاة بالأشباح هي عين النجاة؟
وماذا عن الأرواح؟
وماذا عن عالم الحقيقة، بعيدًا عن عين الواقع المعاش؟
أليس الغرق في ماء السد داخل بطن هذه المدينة أرحم من الغرق في أتون الذنوب المهلكات والمعاصي؟
وماذا لو انغمست الروح في التشبّث بمتع الدنيا، وتمرّغت في أوحالها، وبقي الشبح يرفل في بريق زخرف الحياة الفانية؟
وماذا لو كانت النجاة من غضب السد أهون من الغرق في حضيض بؤر الطين؟
هل كان لزامًا علينا أن نبقى في حضرته، قريبين منه في الغيب والعلن، أم أن نبتعد عنه فارّين، متمسّكين بقرارات المخلوق الذي لا يملك لنفسه موتًا ولا حياة، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا؟ فبالأحرى، كيف ينفع غيره؟
كل هذا الزخم من الأسئلة، وغيرها، ظلّ معلّقًا في ذاكرتي، يتردّد في أعماقي كصدى بعيد، أرجو البوح به لعلّي أتخلّص من كابوس تأنيب الضمير.
اليوم، وأنا أفتح هاتفي في زاوية من بيتي، الذي بقي أجرد من كل شيء إلا من سرير مكشوف، أتّخذه لما يشبه النوم في هذا الشهر الفضيل، تهجم عليّ أفكار متلاحقة تقضّ مضجعي، وأنا أعيد شريط الذكريات؛ أسترجع تلك الأيام وتلك اللحظات، بل تلك الدقائق وحتى الثواني.
كنت يومها غارقًا في شرود بعيد، منصرفًا عن الاشتغال بما ينبغي من الواجب، عوض الانشغال بذكره سبحانه، والتبتّل إليه بالدعاء.
كنت من الأغرار وأنا أتابع مجريات الأحداث، والفاعل الحقيقي فيها هو رب العزة، وليس لأحد من خلقه سلطان على هذا الكون؛ فبالأحرى أن تكون له إرادة أو سطوة على غضب السد.
فتحت كراسة الماضي القريب، أتأمّل سطورًا كنت قد كتبتها، وأقلّب صفحاتٍ كنت نظّمتها بعناية فائقة. كنت أحسب أني على شيء؛ أراقب الوضع وكأني خبير هيدروليكي، خبير بالسدود، أطيل التأمل في أرقام مخيفة، وحسابات قاتلة مميتة، وأجعل لعقلي سلطة أشبه ما تكون بمعادلة رياضية، قاسمها المشترك سلبية قاتمة، تمتلئ بالأصفار من جهة الشمال.
وكان الأجدر بي أن أتأمّل الحقيقة، وأن أتشبّث بتلابيب الشريعة الغرّاء.
فتحت المصحف أبحث عن قصة نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكيف نجّاه الله من الطوفان.
وقفت وقفة تدبّر عند قوله تعالى:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة هود: 44].
أليس قول صاحب القصيدة الفياشية أهدى سبيلًا مما كنت منشغلًا به؟
وهو الذي صدّر قصيدته قائلاً:
أنا ماني فيّاش اش عليَّ منّي
نقلق من رزقي لاش والخالق يرزقني
يقول لما شاء كن فيكون، ويُبدي سبحانه ويعيد،
ويحكم في خلقه ما يشاء، ويفعل في ملكه ما يريد.
أو ليس قول ابن عطاء الله السكندري أبلغ بيانًا حين قال:
“ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فُتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء”.
وأنا الفقير المعدم، المسكين، صاحب المتربة، الواقف على باب مولاه، أتوجّه إليه:
سيدي ومولاي، وأنا أتمسّك بدعاء نبيّه يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.
مستأنسًا بقول رسول الله ﷺ:
“دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له”.
رواه الإمام الترمذي.
أوليس الله سبحانه قد كتب له النجاة؟
وأنا أقرأ ذلك في كتاب ربنا العزيز الذي لا يتغير ولا يتبدل، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء: 88].
حتى لا يبقى للفرج زمنٌ خاص، ولا للفرح وقتٌ محدود، بل يتعدّى الزمان ويتجاوز المكان، ويشمل الخطاب الرباني كل المؤمنين إلى قيام الساعة.
كنت أُصاب بنوبة هستيرية من الخوف والذعر والهلع، أحاول أن أخفيها وأنا أتظاهر بمظهر المؤمن القوي الذي لا يخاف لومة لائم.
غفر الله لي، وخفّف عني، وأرجوه أن يسترني من الخلق؛
أخاف أن يطّلع عليّ أحدهم وأنا خائف، أرتجف مذعورًا، أحصي الأرقام وأعدّها عدًّا.
فيا رب، إن كانت الأسباب قد تهاوت في أعيننا، فإنك أنت الباقي الذي لا يزول،
وإن ضاقت بنا الأرض بما رحبت، فإن رحمتك أوسع من كل ضيق،
وإن خفقت القلوب من الفزع، فإن الطمأنينة في جوارك،
وإن تهشّمت حسابات البشر، فإن حكمتك لا يعتريها خلل، ولا يدركها قصور.
فإليك الملجأ، ومنك النجاة، وعندك السكينة،
فإذا تهاوت الأسباب بقي الله.