وجع الواد – الحلقة 21 من سلسلة القصر الكبير في مرآةالفيضان .

منذ 4 ساعات
Oplus_131072

الأستاذة: مليكة حميحم

بدأ إحساسي بخطر الواد وجدية الأمر عندما سمعت البراح ينادي وهو يمر بحينا. خرجنا جميعاً لمعرفة ما يحدث، فإذا به يخبرنا عبر مكبر الصوت بضرورة الانتقال إلى الطابق الأول، لأن منسوب المياه قد يتجاوز متراً واحداً. عندها سارعنا إلى إفراغ ما خفّ حمله وغلا ثمنه، وتمركزنا في الطابق العلوي بقلوب مرتجفة وعقول حائرة، نتخبط في تساؤلاتنا وقلقنا.

في ذلك اليوم جاءت أختي مع أسرتها الصغيرة بعدما أُجبروا على مغادرة منزلهم بتجزئة الجباري. خرجوا عبر جرار، تاركين خلفهم بيتهم وقد غمر الماء طابقه الأرضي بالكامل. لم يحملوا معهم سوى حقيبة صغيرة تضم وثائقهم الشخصية. وصلت أختي والدموع والخوف يكسوان وجهها، وكأن ملامحها تختصر كل مآسي الوادي وأهواله.

حاولت أن أطمئنها، متظاهرة بأن حينا ليس معنيّاً بخطر الفيضانات حتى تبقى معنا، لكنها همست لي بأنها لا تستطيع أن ترى بيتاً آخر عزيزاً عليها يغرق أمام عينيها، وكانت متأكدة بأن القادم أشد قتامة على الجميع.

غادرتنا أختي نازحة إلى مدينة القنيطرة، واللسان عاجز عن وصف هول المأساة. لكن وجع الواد كان أقرب إلينا مما نظن. فقد سمعنا بعد ذلك أن المياه قد تصل إلى الطابق الثاني، فصار لزاماً علينا مغادرة المدينة. كانت الصدمة كبيرة. حملنا أوراقنا المهمة وبعض الملابس، وغادرنا القصر الكبير في الرابعة صباحاً متجهين نحو القنيطرة عبر طريق الخراشفة… وما أدراك ما الخراشفة: برد قارس، وضباب كثيف، وحفر خطيرة وأمطار غزيرة. لم نصل إلا في السابعة صباحاً، هاربين وكأن الواد يلاحقنا. كانت ليلة اختفى فيها الإحساس بالأمن والأمان، رافقتها الهواجس والكوابيس، وقد أدركنا أن الأمر صار أكثر خطورة وجدية.

تدافعت في رأسي الأفكار السوداء، ورافقتني طوال الطريق نبوءة عبد الرحمن المجذوب التي تقول:
(القصر يا القصرون يا زين النواصي
يا العامر قبل المدون والخالي قبل المراصي،
الخيل الهابطة من صرصار
هي سباب خلا القصر في الصيف محروق
وفي الشتاء مغروق).

كنت أحدث نفسي: هل هذه هي النهاية؟ نهاية مدينة الأولياء؟ هل ستكون رحلة بلا عودة؟ وهل سنشهد تحقق تلك النبوءة؟ لكن، والحمد لله، كان لطف الله حاضراً، وكانت يد الله فوق الجميع، وبدأ الوجع يخف شيئاً فشيئاً.

عدنا إلى منازلنا يوم الأحد 15 فبراير، لكن كثيرين ظلوا نازحين داخل مدينتهم لأن بيوتهم ما تزال غارقة في الماء، وكان ذلك امتحاناً أشد قسوة. لم تعد أختي وأسرتها، وأسر كثيرة مثلها، إلى منازلهم إلا مع بداية شهر مارس. تركوا خلالها وحدهم يواجهون الواد ويحاولون إفراغ المياه بوسائلهم الخاصة، لأن المسؤولين كانت لديهم حجة الأولويات، وهم – في نظرهم – ليسوا من تلك الأولويات. عانوا الأمرّين: النزوح خارج المدينة والنزوح داخلها، ومعاناة تنوء بحملها الجبال.

لقد تغلبنا جميعاً على نبوءة المجذوب المتغلغلة في ذاكرتنا، لأن وجع الواد جزء من طفولتنا. ترعرعنا على غضبه في ليالي الشتاء الباردة، وعلى جبروته، حتى أصبحت الكوابيس ترافقنا كلما اشتد المطر وغضبت السماء.

هذه السنة كتبنا جميعاً ملحمة صمود؛ فمهما ارتفع منسوب الماء، يظل القَصْراويون واقفين فوقه، يتحدون الصعاب معاً.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading