
ـ مديرية وزارة التربية الوطنية بالعرائش :
من المشاركات المتميزة في الإقصائيات الاقليمية “للمهرجان الجهوي الثالث داخليتي بيتي ”
بقلم التلميذة نجية البراق من القسم الداخلي بثانوية وادي المخازن التأهيلية.
“ذِكْرَى أَلَـمٍ، وَنَافِذَةُ أَمَل…”
حَلَّ الـمَسَاءُ بَارِداً هَذَا اليَوْمَ، جَلَسَتْ كَعَادَتِها بَعْدَ العَصْرِ بـقُرْبِ نَافِذَةِ غُرْفَتِـهَا، تَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ الـمُلَبَّدَةِ بِالغُيُومِ الدَّاكِنَةِ، وَتُـرَاقِبُ زَخَّاتِ المَطَرِ، فَبَدَا لَهَا وكَأَنَّ السماء تُشَارِكُهَا حُزْنَهَا وبُكَاءَهَا. كَانَتْ تُمْسِكُ بِيَدِهَا هَاتِفَهَا، وَفِـي خَلْفِيَتِهِ صُورَةُ أَبِيهَا، الذِي رَحَلَ عَنْ عَالَمِنَا قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَة، لَكِنَّهَا مَا تَزَالُ عَاجِزَةً عَنْ نِسْيَانِهْ، وَمَا زَالَتْ تَتَسَاءَلُ: كَيْفَ لِذَلِكَ الجَبَلِ أَنْ يَسْقُطَ فَجْأَةً؟ وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ مَلْءَ الفَرَاغِ الذِي تَرَكَهُ فِي قَلْبِهَا وَحَيَاتِهَا؟
قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ الحَزِينِ، كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِـاجْتِيَازِ امْتِحَانِ نِهَايَةِ المَرْحَلَةِ الـإِعْدَادِيَة،غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الحَدَثَ المُؤْلِمَ شَتَّتَ تَرْكِيزَهَا، وَكَادَ يُـحَطِّمُ فِيهَا كُلَّ رَغْبَةٍ فِي الِـاسْتِمْرَارِ وَمُوَاصَلَةِ طُمُوحِهَا وَطُمُوحِ أَبِيهَا. مَا تَزَالُ تَذْكُرُ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَانَ أَبُوهَا يَجْلِسُ كَعَادَتِهِ فِي زَاوِيَةِ البَيْتِ، وَجَلَسَتْ هِيَ بِجَانِبِه، خَاطَبَهَا قَائِلاً: إِنَّهُ دَائِمًا بِجَانِبِهَا وَلَوْ لَمْ تَرَهْ. لَمْ تَفْهَمْ حِينَهَا مَغْزَى عِبَارَتِهِ، غَيْرَ أَنَّهَا وَهِيَ تَخْرُجُ لِلْمَدْرَسَةِ كَانَتْ تَشْعُرُ بِعَدَمِ الـِارْتِيَاحِ، وَكَانَ جَوُّ السَّمَاءِ الكَئِيبِ يَزِيدُهَا قَلَقًا، وَيُنْذِرُ بِحُدُوثِ شَيْءٍ مَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّيْءُ هُوَ مَوْتَ أَبِيهَا… تَذَكَّرَتْ شُعُورَهَا عِنْدَ سَمَاعِهَا الخَبَرْ، وَوَقْفَتَهَا الـأَخِيرَةَ أَمَامَ جِسْمِهِ الـمُمَدَّدِ عَلَى فِرَاشِهْ، فَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ الحَدَثُ أَثَراً كَبِيراً فِي رُوحِهَا لَمْ تَسْتَطِعْ تَجَاوُزَهُ حَتَى الـآنْ.
صَحِيحٌ أَنَّ فِرَاقَ وَالِدِهَا كَانَ يَفُوقُ قُدْرَتَهَا عَلَـى التَّحَمُّلِ، فَكَانَتِ الـأَوْقَاتُ تَمُرُّ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ الحُزْنُ يَهْجُمُ عَلَيْهَا كُلَّمَا فَكَّرَتْ فِي النِّسْيَانِ، إِلَّـا أَنَّهَا مَا تَزَالُ تَذْكُرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الِـامْتِنَانِ وُقُوفَ أُّمِّهَا إِلَى جَانِبِهَا، وَمُحَاوَلَـاتِهَا الكَثِيرَةِ لِتَخْفِيفِ أَلَمِهَا، إِلَى أَن اسْتَطَاعَتْ التَّغَلُّبَ عَلَى حُزْنِهَا، وَمُوَاصَلَةَ التَّعَافِي، فَقَرَّرَتْ مُوَاصَلَةَ طَرِيقِهَا، وَتَحْقِيقِ رَغْبَةِ أَبِيهَا وَإِسْعَادِهِ هُنَاكَ… عَادَتْ بَعْدَهَا إِلَى مُوَاصَلَةِ اجْتِهَادِهَا، وَمُمَارَسَةِ الرِّيَاضَة، وَالعَوْدَةِ إِلَى هِوَايَاتِهَا المُفَضَّلَة… وَنَجَحَتْ فِي تَجَاوُزِ الـامْتِحَانِ لِتَنْتَقِلَ إِلَى الثَّانَوِيَّة…
انْزَاحَتِ السُّحُبُ قَلِيلاً عَنِ السَّمَاءٍ، وَسَمَحَتْ لِـأَشِعَّةِ الشّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ بِالـمُرُورِ، فَأَضْفَتْ عَلَى الجَوِّ الذِي يَقْتَرِبُ مِنَ الغُرُوبِ سِحْراً خًاصًّا، أَعَادَهَا إِلَى حَاضِرِهَا، فَرَاحَتْ تَتَأَمَّلُ جَمَالَ السَّمَاءِ وَالغُرُوبِ… وَقَفَتْ بِجِوَارِ النَّافِذَةِ قَلِيلاً، ثُمَّ غَادَرَتْ لِتُعِدَّ بَعْضَ الطَّعَامِ، وَهِيَ عَازِمَةٌ عَلَى أَنْ لَا تَـتْـرُكَ نَفْسَهَا ضَحِيَّةً لِلْحُزْنِ، فَقَدْ حَمَّلَهَا أَبُوهَا إِرْثاً كَبِيراً مِنَ الحُبِّ الذِي لَا يَمُوتْ، وَالْعَزْمِ وَالْـإِصْرَارِ، وَالـإِيمَانِ بِالحُلْمِ الكَبِيرِ الذِي لَـا بُدَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ يَوْماً. وَحِينَهَا: سَتُخْبِرُهُ –وَلـا شَكَّ أَنَّهُ سَيَسْمَعُهَا، بِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ فَتَاتَهُ القَوِيَّة التِي حَلُمَ بٍأَنْ يَرَاهَا… لَمْ يَكُنْ أَبُوهَا مٌجَرَّدَ أَبٍ، بَلْ كَانَ بَطَلَهَا، وَسَنَدَهَا، وَالـأَمَانَ الذِي كَانَتْ ولا تَزَالُ وَلَوْ فِي الخَيَالِ، تَعُودُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّة…