
- بقلم : أسماء التمالح
حكى لنا الأجداد – رحمهم الله تعالى – فيما سبق عن فيضانات القصر الكبير، ووصف لنا آباؤنا الكرام – أمد الله في أعمارهم – حالة مدينة القصر الكبير وقد غمرتها المياه فحولت الشوارع إلى أنهار تجري، والبيوت إلى مسابح تغطس الأجساد حد الكتفين والعنق، ناهيك عن الخسائر المختلفة التي سببتها، والمخلفات التي تركتها من ورائها والتي احتاجت وقتا لتستعيد المدينة وضعها الطبيعي العادي.
لم يخطر ببالنا أن الزمن سيدور، وسنقف وجها لوجه مع ما تم حكيه ووصفه لنا من قبل، حتى حين أعلن عن فيضانات المدينة في أولها قابلنا الموضوع بالضحك والسخرية، على اعتبار أن الزمن تجاوز مرحلة الفيضانات وتطور لمراحل أخرى، لم نصدق أبدا أن القصر الكبير مهدد بالفعل بخطر الفيضانات الذي قد يأتي على الأخضر واليابس بأرضها، استسهلنا الأمر وتعاملنا معه بغير اهتمام وجد، هزلنا به وربما لنا العذر في ذلك لأننا عمرنا سنوات طوال بالمدينة ميلادا ونشأة وتمدرسا وإقامة ولم نعش هذه الفيضانات التي تلقينا أخبارها فقط من أفواه الأجداد والآباء، فظلت كالأسطورة بالنسبة لنا نتخيلها ولا نستحضر تفاصيلها الدقيقة لكوننا لم نمر بها قبلا.
انتصف شهر شعبان، وبدت معالم خطر الفيضانات بمدينة القصر الكبير تنشر خيوطها، حركة غريبة غير معهودة بالمدينة، وافدون أمنيون من العاصمة المركزية ومن كبريات المدن المغربية يحطون الرحال بالقصر الكبير، مسؤولون بشتى الرتب والصفات والتخصصات يلتحقون بالمدينة، صفارات الإنذار تدوي بالأرجاء، لا صوت يعلو فوق كلمة : ” خويو”.
رمضان على الأبواب، أغلب الأسر القصراوية كانت في استعداد لاستقبال الشهر الكريم، منهم من كان يحضر ما لذ وطاب من معسلات ووصفات ذات طبيعة رمضانية صرفة، ومنهم من اقتنى مجموعة من المواد الاستهلاكية وغيرها كي يخفف من حدة التسوق أيام رمضان التي تعرف ازدحاما قويا بالأسواق العمومية ينتج عنها مشاجرات كثيرة واصطدامات عديدة، ومنهم من كان مدخرا مالا للمناسبة ذاتها غير أنه آثر أن لا ينفق منه لحين حلول الشهر الكريم ليشرع في جلب الاحتياجات الرمضانية.
كانت هذه أبرز ما ميز حياة الناس داخل هذا الزمن، إلا أن القدر كان له كلام آخر تمثل في أن يجبر الجميع على الرحيل وفق أوامر صادرة بقرارات عليا حفاظا على الروح والحياة، فما كان من الجميع إلا أن امتثل ونزح قسرا إلى وجهة تختلف حسب الأشخاص والظروف والمناطق والفئة الإجتماعية وحسب الضرر من الفيضانات أيضا.
بدت مدينة القصر الكبير فارغة إلا من حماة الوطن بتعدد ألوانهم، بكى أهل المدينة مدينتهم، عاشوا الرعب في أسمى تجلياته، كيف لا وقد وجدوا أنفسهم في لحظة غير متوقعة بالمرة مطالبين بالهجرة إلى أماكن آمنة خارج مساكنهم وبعيدا عن كل ما يملكون. كانت صدمة قوية جدا صعب تقبلها لأول وهلة، إلا أن أي خيار آخر بديل للفاجعة لم يكن متاحا فكان الرضا والاستسلام وليقع ما يقع؛ كل شيء يخلفه الله إلا الروح إذا أزهقت فلن تعود.
ترك أهل مدينة القصر الكبير أعز ما يملكون وانصرفوا في أيام مباركة تعرف ب ” العواشر”، رضوا بالقضاء والقدر، وغصة فراق أغلى مدينة تسكن قلوبهم أدمعت عيونهم، وطعنت صدورهم، وجرحت مشاعرهم.
أوشك هلال رمضان على الظهور، والسلطات المغربية تسارع الزمن من أجل أن يعود سكان مدينة القصر الكبير لمساكنهم، ودفء بيوتهم، وفعلا أعطي الإذن بالرجوع واعتمدت المرونة في تسهيل هذه العملية كي يبرح العموم داره ويصوم شهره الكريم في عقر داره.
عاد أغلب النازحين قسرا إلى القصر الكبير، وهنا بدأت رحلة أخرى مع المواجهة والصبر وتحدي الظروف الصعبة، فالبيوت التي تركت مقفلة أيام الفيضانات بعضها أهلك أثاثها كليا، وبعضها الآخر أصيب نتيجة تسرب المياه، أما روائح ” الغمال” وآثاره السيئة فلم يسلم منه بيت قصراوي، ناهيك عن المواد الإستهلاكية التي ضاعت نتيجة انقطاع الكهرباء مدة الفيضانات عن المساكن مما عرض الثلاجات إلى التوقف عن الاشتغال فتسبب ذلك في خسارة كبيرة للأسر على مستوى تدبير الشأن الإستهلاكي لها…
اليوم وقد انتصف شهر رمضان المبارك، مازال سكان القصر الكبير يحاربون من داخل البيوت وخارجها من أجل تنظيف المساكن والأحياء بسواعدهم، مازالوا يئنون تحت وطأة ما خلفته الفيضانات، خصوصا وأن امطار الخير قد عادت الأيام الأخيرة مما جعلهم في حالة تأهب مستمر يرفعون أفرشتهم ويتوخون الحذر بعد أصعب لحظات مروا بها.
رمضان القصراويين هذه السنة بنكهة الابتلاء، فبعدما كان هذا الشهر المعظم بالنسبة لسكان القصر الكبير شهر الروحانيات والأمان النفسي والاستقرار الجسدي، ها هم اليوم في قلق ووجل، يصومونه بغير ارتياح كما المعتاد متوسلين الله عز وجل أن يرفع عنهم الغمة، ويزيح عن طريقهم الهم، ويعينهم في استعادة راحة بالهم واستقامة ظروفهم المادية والمعنوية.
جعل الله ما جرى آخر الفواجع على القصر الكبير وأهلها، وعجل بالفرج وأنزل السكينة، ونشر رحمته وتقبل من الجميع الصيام والقيام وحسن تقبل أقداره بالحمد والشكر إنه سميع مجيب.