
– ذ: محمد الشدادي
(( إلى كل من غمرت المياه بيته، وانتزعت منه السكينة في غفلة من الزمن، إلى ساكنة مدينة القصر الكبير ونواحيها، الذين تجرعوا مرارة الفقد والنزوح، نهدي هذه الصفحات.
ليست قصة أمل مجرد سرد خيالي، بل هي تأريخ لمرحلة صعبة ومرة عاشتها الساكنة بقلوب مؤمنة. هي صرخة تلك الليلة التي تعالت فيها النداءات: الفيضان! الفيضان!، لتتحول إلى ليلة الهروب من قدر الله إلى قدر الله”
في هذه القصة، نقتفي أثر أمل؛ تلك التلميذة التي رأت أحلامها ومتاعها وقطتها الصغيرة تبتلعها العتمة والسيول. نعيش معها كوابيس الغرق التي لم تفرق بين قاعة الامتحان وبين أزقة الحي، ونشعر بضيق الحصار في تلك القرى التي تحولت إلى جزر معزولة انقطع فيها كل شيء إلا رحمة الله.
لكننا أيضا، نرى من خلال عينيها كيف استحال المسجد قلبا نابضا للقرية، وكيف تحولت المحنة إلى ملحمة من التكافل والتوبة والرجوع إلى الله. هي شهادة على أن المياه مهما علت، قد تكتسح المتاع والأثاث، لكنها أبدا لا تأخذ إنسانيتنا ولا أحلامنا. إنها قصة الصمود والبحث عن النور وسط الظلام، لنتذكر دائما أن الأمل يولد من رحم المحن، وأننا بالصبر والإصرار، سنبني دوما من جديد)).
( ليلة الفيضان )
في حي الزهراء بمدينة القصر الكبير، كانت أمل، التلميذة في الثانوي التأهيلي، تعيش حياة هادئة مع أسرتها. بيتهم كان من البيوت الأولى التي غمرتها المياه حين اجتاح الفيضان المنطقة، فأتت على المتاع الذي فيه، تاركة الجدران صامدة لكنها خاوية.
كانت أمل تقضي لياليها في مراجعة دروسها استعدادا لشهادة الباكالوريا، وإلى جانبها دائما قطة صغيرة، مؤنستها وصديقتها الوفية. كانت تجلس بجوارها تحدق في صفحات الكتاب وكأنها تشاركها السهر، وعندما تعود أمل من الثانوية، ما إن تفتح الباب حتى تلف القطة حولها، تعبر عن شوقها بمواء طويل وحركاتها المرحة.
لكن منتصف تلك الليلة حمل ما لم تتوقعه: أصوات تتعالى في الخارج، صرخات الجيران: الفيضان! الفيضان!. إنها ليلة الهروب من قدر الله إلى قدر الله.
قفزت أمل من سريرها، حاولت تشغيل المصباح، لكن الكهرباء انقطعت. فتحت باب غرفتها بسرعة، لتجد والدتها تصرخ: أمل، أسرعي، المياه وصلت إلى باب المنزل!
خرجت الأم مذعورة، لا تحمل معها شيئا سوى ما كانت ترتديه. أمل حاولت أن تبحث عن محفظتها وقطتها وسط الظلام، لكن العتمة الدامسة بسبب انقطاع الكهرباء جعلتها لا ترى شيئا. وفي لحظة الارتباك، مد الشباب أيديهم إلى أمل ليصعدوا بها بسرعة إلى الجرار الذي جاء به أحد الفلاحين للمساهمة في إنقاد المتضررين.
ركبت أمل وهي تبكي، وقلبها يعتصر ألما تغادر بيتها مكرهة تاركة أدواتها وصديقتها الصغيرة خلفها لمصير مجهول. وما إن ابتعد الجرار عن المنزل وسط هدير المياه، حتى سمعت صوت مواء ضعيف يتردد من بعيد، صوت قطتها التي تناديها. عندها لم تجد إلا الدموع تنهمر، وهي تتمسك بيد والدها الذي حاول أن يخفف عنها قائلاً: سننجو يا أمل، اصبري، وستنجو القطة كذلك إن شاء الله.
وهكذا، وسط الظلام والمطر والصرخات، حملهم الجرار بعيدا عن الخطر. وعندما أوصلهم إلى مكان آمن قرب محطة البنزين بطريق العرائش، فضلت الأسرة التوجه إلى قرية قريبة من القصر الكبير حيث يسكن أحد أقاربهم، بدل التوجه إلى مراكز الإيواء التي أعدتها السلطات. كانوا يبحثون عن دفء العائلة أكثر من أي شيء آخر.
( كوابيس تنتاب أمل)
لكن الطمأنينة لم تدم طويلا. فبعد أن هدأت العاصفة، بدأت نفسية أمل تتأثر بما جرى: الفيضان الذي ضاع فيه المتاع، فقدان قطتها المؤنسة، وضغط الاستعداد لشهادة الباكالوريا، كل ذلك اجتمع ليقلقها ويثقل قلبها، فلياليها لم تعد هادئة، بل صارت مسرحا لأحلام مزعجة.
رأت أمل نفسها تغرق وسط مياه عاتية، تصارع لتتنفس، بينما صوت أمها يتردد من بعيد: تعالي عندي يا أمل! صرخت حتى استيقظت، لتجد دموعها على وجنتيها، وأمها تضمها إلى حضنها وتهمس: أنا هنا يا ابنتي، لا تخافي.
ليلة أخرى، رأت مروحية تحوم فوق القرية، وأنزلت لها سلما لتنجو بنفسها، لكنها رفضت الصعود وهي تصرخ: لا تتركوني من دون أمي! كان صوت والدها يعلو من بعيد: أمل عزيزتي، لا داعي للخوف الله لن يتركنا، إنه مجرد حلم يا ابنتي.
وفي ليلة أخرى، غفت أمل وهي مثقلة بالقلق، لم يأت الفيضان هذه المرة، ولا المروحية التي كانت تحوم فوقها في أحلامها السابقة، بل وجدت نفسها جالسة في قاعة الامتحان، الأوراق البيضاء أمامها، والقلم بين أصابعها يرتجف. بدأت الكلمات على الورقة تتلاشى، الحروف تتساقط كقطرات ماء، والساعة على الحائط تدق بسرعة جنونية، كأنها تسابقها نحو النهاية. شعرت أن الفيضان الذي كان يلاحقها في أحلامها السابقة قد دخل قاعة الامتحان، يغمر الطاولات والكتب، ويجعل أوراقها مبتلة لا تصلح للكتابة. رفعت رأسها فرأت المروحية التي كانت تحاول إنقاذها في حلم آخر، لكنها هذه المرة لم تهبط، بل ابتعدت في السماء، تاركة أمل وحيدة أمام ورقة الامتحان الغارقة.
ارتجف قلبها وهي تسمع صوت المراقب يعلن: انتهى الوقت، لتدرك أنها رسبت، وأن الرسوب لم يكن مجرد فشل دراسي، بل غرق في بحر من العجز واليأس. استيقظت مذعورة، تتصبب عرقا، وكأنها خرجت لتوها من الفيضان، لتجد نفسها أمام حقيقة واحدة: أن الخوف من الرسوب يطاردها كما يطاردها الفيضان، وأن كليهما يهددان مستقبلها وأمانها.
(بزوغ فجر الأمل)
في صباح أحد الأيام، بعد أن صلت صلاة الظهر، جلست أمل بجوار نافذة بيت العائلة بالقرية، والسماء ما زالت مثقلة بالغيوم. في يدها كتاب مبتل أنقذته من الفيضان، تقلب صفحاته ببطء، وكأنها تبحث بين الكلمات عن معنى لما حدث. خارج النافذة، رأت الأطفال يضحكون رغم البلل، والنساء يوزعن الخبز الساخن على النازحين للقرية من الدواوير التي غمرتها المياه. عندها همست: ربما الفيضان أخذ متاعنا، وأبعدني عن بيتنا وعن قطتي، لكنه لم يأخذ إنسانيتنا ولا أحلامنا، وغدا سنبني من جديد.
( الحياة في جزيرة معزولة)
لكن سرعان ما اكتشفت أمل أن المحنة لم تنتهِ بعد، فبعد أن اجتاحت مياه الفيضان عددا من القرى المجاورة، انقطعت الكهرباء والماء والإنترنت، ورغم أن القرية التي لجأت إليها أسرتها لم تصلها المياه مباشرة، إلا أنها عرفت انقطاعا تاما لهذه الخدمات. كانت أمل قبل الكارثة تدخل إلى المنصة التي وضعتها المديرية لتلقي التعليم عن بعد، تراجع دروسها وتحلم بالتفوق. لكن الآن، ومع طول مدة الفيضان واستمرار الأمطار، بدا حلمها يتبخر شيئا فشيئا.
اضطرت أن تشرب من مياه الأمطار وتستحم بها، وهي تجربة لم تعرفها من قبل، وتشعر أن كل شيء ينهار من حولها: البيت أتلف متاعه، القطة غائبة، والدروس بعيدة المنال، والأحلام معلقة في فضاء مظلم.
لم يكن الأمر مجرد انقطاع للكهرباء والماء والإنترنت كما ظنت أمل في البداية، بل سرعان ما اكتشفت أن الكارثة أعمق بكثير. الطرق التي كانت تربط القرية التي تتواجد بها بمناطق أخرى انهارت تحت ضغط السيول، والجسور تهاوت، وأصبحت محاصرة داخل نفسها حتى وإن لم تصلها مياه الفيضان، كأنها جزيرة معزولة عن العالم.
بدأت الحياة اليومية تتفكك أمام أعين الناس: الخضر اختفت، وصار الحصول على حبة بطاطس أو بصلة حلما بعيد المنال، الشمع لم يعد يباع، والظلام يزحف إلى البيوت مع كل غروب، المواد الغذائية الأساسية نفدت، والرفوف صارت خاوية إلا من الغبار، وقنينات الغاز تحولت إلى كنز نادر.
كانت أمل تنظر إلى هذا المشهد بعينين مثقلتين بالدهشة والخوف. الفيضان لم يغرق البيوت فقط، بل أغرق أيضا الأمل في الاستقرار، وأغلق أبواب الحياة البسيطة التي اعتادها الناس. صار كل شيء نادرا، وكل شيء صعبا، وكأن القرية دخلت في حصار قاس لا يعرف الرحمة، وتحولت كأنها جزيرة معزولة.
(المسجد قلب القرية في زمن الفيضانات)
بدأ الأب يخرج رفقة أمل إلى أزقة القرية، حيث تقاطر إليها سكان الدواوير التي غمرتها المياه، يجرون خلفهم أبقارا وأغناما وحميرا وبغالا. وبالقرب من مسجد القرية، اجتمع الناس يتدارسون كيفية توفير الدعم المادي والمعنوي للنازحين. وقف فقيه القرية يخاطبهم بكلمات مؤثرة: “إخواننا لم يتركوا ديارهم طوعا، بل أجبرتهم السيول على النزوح. وواجبنا أن نفتح لهم قلوبنا قبل بيوتنا، أقترح عليكم أن نقسم الأسر القادمة على كل أهل القرية، كل بيت يستقبل أسرة ومعها ماشيتها، ونتكفل جميعا بتوفير الطعام لهم ولماشيتهم.”
ارتفعت أصوات التأييد، وتعانقت النظرات بينهم، الشباب عرضوا بناء حظائر مؤقتة، النساء اقترحن إعداد الطعام بشكل جماعي، والكل وعد بمشاركة ما لديه من مؤونة.
أمل كانت تنظر إلى هذا المشهد بعينين دامعتين، لكنها هذه المرة دموع امتنان لا دموع حزن، و شعرت أن القرية كلها أصبحت أسرة واحدة كبيرة، وأن المحنة تحولت إلى فرصة لإظهار أجمل ما في الناس من تعاون ورحمة.
مع تزايد أعداد الأسر النازحة، قررت نساء وفتيات القرية تنظيم مبادرة جماعية لإعداد الطعام، فخصصن قاعة بالمسجد لتكون مطبخا جماعيا، وقسمن العمل بينهن.
حين سمعت أمل بهذه المبادرة، شعرت برغبة قوية في المشاركة. دخلت القاعة بخطوات مترددة، لكن سرعان ما استقبلتها الفتيات بابتسامات دافئة، وأعطينها دورا في إعداد الطعام. بدأت تعجن الخبز، وتقطع الخضر، وتشارك في توزيع الأطباق. ومع كل لحظة، كانت تشعر أن ثقلا ينزاح عن صدرها.
هذه المبادرة أخرجتها من وحدتها، وبدأت تفكر في اقتراحات جديدة لمساعدة الضيوف: تنظيم حصص للأطفال، تعليم الصغار بعض الدروس، أو جمع الكتب القديمة لتوزيعها على الطلبة الذين فقدوا أدواتهم الدراسية. وكم كانت فرحتها كبيرة حين وجدت من بين الفتيات المتطوعات لإعداد الطعام فتاة من أهل القرية تدرس معها، فحمدت الله أن التقت بها ليتعاونا على الدراسة فكتب المقرر الآن أصبحت متوفره عند زميلتها.
إن اجتياح السيول القرى المجاورة، جعل مسجد القرية ليس مجرد مكان للصلاة، بل تحول إلى مركز حياة يجمع الناس ويوحدهم في مواجهة المحنة. اجتمع فيه الأهالي والوافدون، يتشاورون في تنظيم الطعام الجماعي، وتوزيع المساعدات، وتنسيق الجهود، فأصبح بمثابة بيت كبير يضم الجميع تحت سقف واحد.
يجلس الفقيه بينهم، يشرح معنى الابتلاء، ويذكرهم بالصبر والرجوع إلى الله، فكانت كلماته تبعث السكينة وتزيل القنوط واليأس من النفوس. وقد لعبت محنة الفيضان دورا في عودة الشباب إلى المسجد، حيث وجدوا فيه ملاذا روحيا، وأصبحت نفوسهم مهيأة لتلقي المواعظ والدروس، فانبثقت منهم رغبة صادقة في التوبة والرجوع إلى الله. فمواعظ الفقيه ساهمت في بث الثقة بين الناس، وغرس روح التعاون والتكافل، وأكدت أن الابتلاء زائل، وأن النجاح فيه يكون بالصبر والتوبة والعودة إلى الله.
أمل، وسط هذه الأجواء، وجدت في المسجد ملاذا خاصا، كانت تنتقل بين النساء في المطبخ الجماعي، ثم تجلس في حلقات المسجد تستمع للفقيه، فتشعر أن قلبها يزداد قوة وإيمانا. هناك، أحست أن القرية كلها أصبحت أسرة واحدة، وأنها ليست وحدها في مواجهة المحنة.
المسجد بالنسبة لها لم يكن جدرانا وأعمدة، بل كان حضنا واسعا يخفف عنها الخوف، ويزرع في قلبها الأمل بأن الغد سيكون أفضل. ومن خلاله، تعلمت أن الابتلاء طريق إلى النور، وأن التضامن والتوبة هما السبيل لتجاوز المحن. وهكذا، صار المسجد في قصة أمل رمزا للروح الجماعية، ومركزا للتوبة والسكينة، وملاذا يذكر الجميع أن المحنة مهما عظمت، فإنها تحمل في طياتها بذور الأمل والعودة إلى الله.
(القطة والحنين إلى المدينة)
لم تكن أمل تنسى قطتها، فكلما رأت قطة في أزقة القرية أو بجوار المسجد، عادت إليها الذكريات، وشعرت بالحنين إلى مؤنستها الصغيرة. وفي أحد الأيام، بينما كانت تشارك الفتيات في إعداد الطعام، عرضت عليها زميلتها في الثانوية عبر هاتف أخيها بعض الفيديوهات التي توثق أحداث الفيضان. فجأة ظهر بث مباشر من صفحة “ديديكاس بوينو”، يوثق زيارته لأحياء المدينة وينقلها بالمباشر، حيث لعب دورا مهما في طمأنة الناس على منازلهم، إلى جانب صفحة الفلاح، وكذا صفحة النحيلي.. وبالصدفة، رأت أمل أن (ديديكاس) يمر من حيهم، وشاهدت أحد رجال السلطة يقدم طعاما لقطة عند نافذة منزلهم. تجمدت عيناها على الشاشة، ثم انفجرت دموعها فرحا وهي تهمس: الحمد لله، لقد نجت قطتي.
تذكرت كلمات والدها حين قامت من حلمها مفزعة: الله معنا، سننجو جميعا يا ابنتي. وها هي الآن ترى بعينيها أن النجاة لم تكن لها وحدها، بل حتى لصديقتها الصغيرة التي تركتها خلفها ليلة الفيضان.
غمرتها سعادة غامرة، ورفعت دعاء لكل من ساهم في إطعام هذه المخلوقات من قطط وكلاب وعمل على إنقادها: من رجال الأمن الوطني، والسلطات، ولمن بقوا في المدينة مثل النحيلي والفلاح وديديكاس، وبعض المتطوعين.
وقد لعبت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أدوارا كبيرة في طمأنة الناس عبرالنقل المباشر من حي إلى حي، وكان النازحون في كل المناطق يتابعون هذه الصفحات ويستمدون منها الأمل حين يرون أصحابها يمرون قرب منازلهم.
لكن في قلب أمل ظل الحنين إلى بيتها وحيها يزداد. كانت تدرك أن المنزل ليس مجرد جدران، بل تاريخ وذكريات تركتها هناك. أحست أن الإنسان حين يجبر على ترك بيته، كأنه يقتلع من جذوره.
عندها تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة وقف أمام مكة يودعها فخاطبها: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك). هذا القول الشريف كان يواسيها، ويجعلها تدرك أن حب الإنسان لأرضه وبيته أمر فطري، وأن الفقد ليس ضعفا، بل جزء من إنسانيته. فتجلى لها في تلك اللحظة معنى حب الوطن، ومعنى الصبر على الابتلاء، ومعنى الثقة في الله، مكة كانت أحب البقاع لخير البرية عليه السلام، لكنه غادرها وهو يحمل رسالة أعظم من المكان، رسالة ستصل إلى العالم كله.
أحست أمل أن كلمات النبي تشبه حالهم، فكما اضطر عليه السلام أن يغادر أحب البقاع إليه، ها هم يغادرون بيوتهم بسبب السيول. لكنها أدركت أن الهجرة لم تكن نهاية، بل بداية لعزة ونصر، وأن محنتهم أيضا قد تكون بداية جديدة لحياة أفضل، فالابتلاء ليس هدما، بل بناء.
(العودة إلى المدرسة)
مع انحسار مياه الفيضان وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها، بدأت المدارس تفتح أبوابها من جديد، فيوم العودة كان يوما مشهودا بالنسبة لأمل، ارتدت ملابسها، حملت بعض كتبها التي جمعتها بشغف، وسارت إلى الثانوية وهي تشعر أن خطواتها أثقل من أي وقت مضى، لكنها أيضا أكثر ثباتا.
في ساحة المدرسة، التقت بزميلاتها وزملائها الذين شاركوها المحنة نفسها. تبادلوا القصص والضحكات، رغم أن آثار الكارثة ما زالت بادية على وجوههم. لكنهم جميعا كانوا يحملون نفس العزم: أن يتجاوزوا هذه المرحلة، وأن يثبتوا أن الفيضان لم يكسرهم.
جلست أمل في فصلها، فتحت كتابها، وابتسمت وهي تتذكر ليالي المطر، الأحلام المزعجة، القطة التي تركتها، والمطبخ الجماعي في المسجد. كل تلك التجارب أصبحت جزءا من قصتها، جزءا من قوتها. همست في قلبها: أنا أمل، وسأظل أملا، مهما كانت المحن.
بعد أن عادت إلى مدرستها، لاحظت أن العديد من زملائها يحملون على وجوههم علامات التعب، وأن آثار الفيضانات ما زالت بادية في نفوسهم: بعضهم كان صامتا، وبعضهم شارد الذهن، وكأنهم يعيشون المشهد من جديد. فكرت أمل أن لا تتركهم وحدهم في هذه المعاناة، فقررت رفقة مجموعة من أصدقائها تنظيم أنشطة للدعم النفسي:
– جلسات التفريغ: حيث يتحدث كل واحد عن تجربته ومشاعره، فيشعر بالراحة حين يشارك الآخرين ما عاشه.
– حوار دائري: جلسات يجلس فيها التلاميذ على شكل دائرة، يتبادلون الحديث بحرية، ويستمعون لبعضهم البعض باحترام.
– كتابة مواضيع: طلبت من زملائها أن يكتبوا عن الفيضانات التي شهدتها المدينة، وعن الدروس التي استخلصوها منها، فكان ذلك متنفسا للتعبير عن مشاعرهم.
وبهذه المبادرات البسيطة، استطاعت أمل أن تخفف من بعض الآثار النفسية التي تركتها الكارثة، وأن تعيد لزملائها شيئا من الأمل والطمأنينة.
لم تكن مبادرة أمل مجرد جلسات دعم نفسي، بل كانت كالشرارة التي أيقظت في نفوس التلاميذ روح العطاء، فسرعان ما انتشرت الفكرة بين الأقسام والنوادي، فبدأت المبادرات تتوالى:
أحد النوادي المدرسية نظم حملة لجمع الملابس، ثم وزعها على الأسر التي غمرت المياه شققها وأتلفت أثاثها. مجموعة أخرى من التلاميذ تحركت لجمع مواد غذائية أساسية، وقاموا بتوزيعها على زملائهم المتضررين، ليشعروا أن المدرسة بيتهم الكبير الذي لا يتركهم وحدهم في المحنة، آخرون اقترحوا أن يكتبوا رسائل تضامن وتعاطف، تعلق في أروقة المدرسة، لتكون شاهدا على أن الكارثة لم تطفئ الأمل، بل أنبتت بذور الرحمة والتعاون. وفي خضم هذه المبادرات، قرر بعض التلاميذ أن يجعلوا من الفيضانات موضوعا للإبداع، فقاموا بتنظيم مسابقة ثقافية داخل المدرسة، لاختيار أجمل إنتاجات التلاميذ:
– أحسن قصة تحاكي أحداث الفيضان وتبرز قيم التضامن والصبر.
– أجمل قصيدة شعرية تعبر عن مشاعر الخوف والأمل، وعن قوة الجماعة في مواجهة الكوارث.
– أروع رسم يصور مشاهد المياه وهي تجتاح المدينة، أو الناس وهم يتعاونون لإنقاذ بعضهم البعض.
تحولت المدرسة بفعل هذه المبادرات إلى معرض حي للأدب والفن، حيث عبر التلاميذ عن تجاربهم ومشاعرهم، فكان الإبداع وسيلة للتفريغ النفسي، ونافذة للأمل، ورسالة بأن الكارثة يمكن أن تنبت جمالا ومعنى. وهكذا، تحولت المدرسة إلى خلية تضامن، حيث امتزج الدعم النفسي بالفعل العملي، فخفت آثار الفيضانات، وارتسمت ابتسامة جديدة على وجوه التلاميذ.
(الخاتمة) :
قصة أمل ليست مجرد حكاية عن الفيضان، بل عن الصمود، التضامن، والبحث عن النور وسط الظلام. فقدت متاعها وقطتها، عاشت أحلاما مزعجة، واجهت انقطاع الماء والكهرباء والإنترنت، لكنها وجدت في أهل القرية وأسرتها قوة أعادت إليها الأمل.
وفي النهاية، عادت إلى المدرسة بروح جديدة، تحمل حلمها القديم في قلبها، وتعلم أن الطريق نحو النجاح لا يبنى إلا بالصبر والإصرار، والتوبة والرجوع إلى الله، وأن الأمل يولد من رحم المحن.