
_ ذ : ادريس حيدر
لقد نشأتُ و ترعرعتُ كما غيري من جيلي في مدينة القصر الكبير ، ذات التاريخ المجيد ، و الضاربة جذورها عميقا في تربة هذا الوطن ، من حيث موروثها اللامادي .
و ليالي رمضان في هذه الحاضرة ، تشبه مثيلاتها في مدن أخرى عريقة ك: فأس ، مكناس ، مراكش ، الرباط ، تطوان ، سلا …الخ .
يأخذ فيها التعبد من : صلاة ، ذكر ، ترتيل القرآن ، الحيز أو القسط الأوفر ، من تلك الليالي ، و ما يَفْضُلُ منها ، فيُخَصَّصُ للترفيه عن النفس في لمات في المقاهي ، أو تجزية للوقت في انتظار وقت السحور ، و ذلك بلعب الورق أو ” دومينو” أو غيره .
فيما الأطفال كانوا يقضون الجزء الأول من الليل ، خاصة بعد تناولهم لفطورهم الشهي ، و هم يركضون و يلهون و يلعون ، تعلو أصواتهم و حركاتهم المكان و يتردد صداها في كل الأرجاء .
يستمر أولئك الصبية على ذلك الحال بضع ساعات ، ثم يعودون لمنازلهم قصد النوم استعداداً ليومهم الموالي ، الذي تنتظرهم فيه دراستهم .
إلا ما كان يثير الإعجاب و الاهتمام ، هو ذاك النشاط الفكري و الثقافي الذي كان يؤثث فضاء المدينة في تلك الليالي الرمضانية .
كانت مدينة القصر الكبير ، تصبح بمناسبة حلول شهر رمضان ، قبلة للمعرفة ، حيث يحل بها أقطاب الفكر و السياسة ، لإلقاء عروض مختلفة ، تجعل الصائم يقضي شهرا من الصيام و التعبد ، و من المتعة الفكرية و الاستفادة من المعين المعرفي للمحاضرين و الذي لم يكن ينبض .
و هكذا كان يلتحق بالمدينة طيف من زعماء سياسيين ، الذين كانوا يتناولون في عروضهم آخر المستجدات السياسية ، و يستعرضون أفكارهم المعارضة لتدبير
الحكومة سياسيا و إجرائيا ، كما كان يحضر لتأطير تلك الأماسي : كتاب ، ومبدعون في فنون : الشعر ، الرواية ، القصة …الخ ، و الذين كانوا يدلون بدلوهم .
و كانت تتحقق المتعة و الاستفادة أكثر ، بتفاعل الحضور من خلال تدخلاتهم ، التي كانت تطرح أحيانا إشكالات معرفية على قدر كبير من الأهمية و الفائدة ، أو أطاريح و وجهات نظر سياسية تعكس المخزون الثقافي الكبير الذي يمتلكه شباب هذه المدينة العالمة .
و في أكثر من مناسبة عبر المحاضرون عن إعجابهم بجودة مداخلات الحاضرين في تلك المحافل المعرفية .
و أذكر أن من بين ذاك الشباب الذي كان شغوفا بالمعرفة ، من أصبح منهم لاحقا يحتل مكانة علمية مرموقة في اختصاصه أو في أحد بحور الفكر و المعرفة .
و الآن لاشيء من ذلك ، فقط هناك لمات تتناول بالحديث ترهات لا تفيد شيئا ، و تجمعات و اكتظاظ في المقاهي من أجل متابعة مقابلات لكرة القدم للبطولات الأروبية .
فهل هذا تبرم من المعرفة ؟ و ما هو السبب إذن ؟ ثم ألا يحمل هذا العزوف خطرا داهما على مستقبل الثقافة و المعرفة و بالتالي تهديدا و إعاقة لتقدم هذا الوطن ؟