إشراقات رمضانية : ليالي رمضان ( 3)

6 مارس 2026
Oplus_131072

_ ذ : ادريس حيدر

لقد نشأتُ و ترعرعتُ كما غيري من جيلي في مدينة القصر الكبير ، ذات التاريخ المجيد ، و الضاربة جذورها عميقا في تربة هذا الوطن ، من حيث موروثها اللامادي .
و ليالي رمضان في هذه الحاضرة ، تشبه مثيلاتها في مدن أخرى عريقة ك: فأس ، مكناس ، مراكش ، الرباط ، تطوان ، سلا …الخ .
يأخذ فيها التعبد من : صلاة ، ذكر ، ترتيل القرآن ، الحيز أو القسط الأوفر ، من تلك الليالي ، و ما يَفْضُلُ منها ، فيُخَصَّصُ للترفيه عن النفس في لمات في المقاهي ، أو تجزية للوقت في انتظار وقت السحور ، و ذلك بلعب الورق أو ” دومينو” أو غيره .
فيما الأطفال كانوا يقضون الجزء الأول من الليل ، خاصة بعد تناولهم لفطورهم الشهي ، و هم يركضون و يلهون و يلعون ، تعلو أصواتهم و حركاتهم المكان و يتردد صداها في كل الأرجاء .
يستمر أولئك الصبية على ذلك الحال بضع ساعات ، ثم يعودون لمنازلهم قصد النوم استعداداً ليومهم الموالي ، الذي تنتظرهم فيه دراستهم .
إلا ما كان يثير الإعجاب و الاهتمام ، هو ذاك النشاط الفكري و الثقافي الذي كان يؤثث فضاء المدينة في تلك الليالي الرمضانية .
كانت مدينة القصر الكبير ، تصبح بمناسبة حلول شهر رمضان ، قبلة للمعرفة ، حيث يحل بها أقطاب الفكر و السياسة ، لإلقاء عروض مختلفة ، تجعل الصائم يقضي شهرا من الصيام و التعبد ، و من المتعة الفكرية و الاستفادة من المعين المعرفي للمحاضرين و الذي لم يكن ينبض .
و هكذا كان يلتحق بالمدينة طيف من زعماء سياسيين ، الذين كانوا يتناولون في عروضهم آخر المستجدات السياسية ، و يستعرضون أفكارهم المعارضة لتدبير
الحكومة سياسيا و إجرائيا ، كما كان يحضر لتأطير تلك الأماسي : كتاب ، ومبدعون في فنون : الشعر ، الرواية ، القصة …الخ ، و الذين كانوا يدلون بدلوهم .
و كانت تتحقق المتعة و الاستفادة أكثر ، بتفاعل الحضور من خلال تدخلاتهم ، التي كانت تطرح أحيانا إشكالات معرفية على قدر كبير من الأهمية و الفائدة ، أو أطاريح و وجهات نظر سياسية تعكس المخزون الثقافي الكبير الذي يمتلكه شباب هذه المدينة العالمة .
و في أكثر من مناسبة عبر المحاضرون عن إعجابهم بجودة مداخلات الحاضرين في تلك المحافل المعرفية .
و أذكر أن من بين ذاك الشباب الذي كان شغوفا بالمعرفة ، من أصبح منهم لاحقا يحتل مكانة علمية مرموقة في اختصاصه أو في أحد بحور الفكر و المعرفة .
و الآن لاشيء من ذلك ، فقط هناك لمات تتناول بالحديث ترهات لا تفيد شيئا ، و تجمعات و اكتظاظ في المقاهي من أجل متابعة مقابلات لكرة القدم للبطولات الأروبية .
فهل هذا تبرم من المعرفة ؟ و ما هو السبب إذن ؟ ثم ألا يحمل هذا العزوف خطرا داهما على مستقبل الثقافة و المعرفة و بالتالي تهديدا و إعاقة لتقدم هذا الوطن ؟

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading