الدرس الذي لم يغرق ” الحلقة : 15 من سلسلة (القصر الكبير في مرآة الفيضان )

منذ 4 ساعات
Oplus_131072

الأستاذة : هناء الشريقي 

في هذا الشهر الذي يفترض أن يوشح بندى نهايات فصل الشتاء وطمأنينته، باغت الماء القصرالكبير كما تباغت الدموع عينا أرهقها الصبر. هناك حيث يتهادى نهر لوكوس بين الحقول، ارتفع صوته فجأة مثلما ترتفع فكرة ناضجة في مخيلة شاعر، تتجاوز السطور وتفيض على الهوامش، وانفلت من ضفافه كقصيدة حزينة استعصت على الوزن، فغمر الطرقات، واستباح الساحات التي كانت بالأمس تضج بخطى العابرين.
أخليت المنازل على عجل، وتفرقت الأسر في مدن أخرى ، وبقي الأطفال ينظرون إلى حقائبهم المدرسية الغارقة كأنهم يودعون جزءا من ذاكرتهم وشيئا من طمأنينتهم.. وبعدما كتم رنين الأجراس بالفيضانات، وسكتت الساحات التي كانت تضج بالضحكات، وانطفأت الانوار داخل الحجرات دون موعد يأذن بلقاء آخر، صار الخوف كتابهم المؤقت ودرسهم الثقيل هو…. الانتظار. توقف الزمن المدرسي لكن زمن القلق والترقب ظل ساريا…
غير أن العتمة لم تدم؛ إذ أصدرت الوزارة الوصية على قطاع التعليم قرارا بضمان الاستمرارية البيداغوجية للتلاميذ، قرار أعاد الطمأنينة إلى أسر أنهكها المجهول، وأكد أن المدرسة المغربية قادرة على أن تتحول في زمن الأزمات إلى حصن يحمي الحق في التعلم وحضن يضم متمدرسيه. كما أصدرت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مذكرة إنسانية قبل أن تكون إدارية، تفتح أبواب المدارس في وجه التلاميذ النازحين دون قيد أو شرط، فالقرار عبارة عن رسالة واضحة مفادها إن انقطعت الطرق فلن ينقطع الحق في التعلم.
لكن بين القرار والتنفيذ، كانت هناك قصة أخرى، مسافة لا يقطعها إلا العمل الدؤوب والتنسيق المحكم. فالعملية لم تكن هينة ولا طيعة، بل كانت مشبعة بالتفاصيل. أعمار متنوعة، مستويات متباينة، وأسلاك مختلفة، وقلوب صغيرة مثقلة بالأسئلة. غير أن روح التضامن جعلت المدارس فضاءات للترميم النفسي قبل أن تكون حجرات للدرس، فصار القلم فعل مواساة وصار المقعد وعدا بالاستمرار، وأصبح المحك إيمانا بأن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن الكارثة مرتين… مرة حين يفقد استقراره، ومرة حين يفقد دراسته.
هناك بين ارتباك الأسر وحيرتها، بدأت مهمتي كحلقة وصل بين أسر قلقة وإدارات تسعى إلى التنظيم، كأستاذة تؤمن أن المدرسة بيت ثان لا يغلق في وجه أبنائه. ولأجل ذلك نسقت مع مدراء بعض المؤسسات التعليمية وعقدنا لقاءات مستعجلة ناقشنا خلالها كيفية توزيع التلاميذ على الأقسام دون إرباك السير العادي للدراسة، مراعين في ذلك العدد الاقصى للمتعلمين داخل الفصول الدراسية. رغم ان بعض المدراء كانوا مستعدين في مبادرات إنسانية تطوعية محضة بعيدة عن الأضواء لتخصيص أقسام أخرى لهذا الغرض في حالة زيادة الطلب. كما عملت على إعداد لوائح تضم أسماء المؤسسات التعليمية وعناوينها وأسماء مدرائها مرفقة بأرقام هواتفهم في القطاعين العمومي والخصوصي، وذلك من أجل تسهيل عملية اختيار المؤسسة الأقرب لمحل السكن المؤقت لأهالي القصرالكبير الأبي، وكذا تسهيل عملية التواصل بين الاسر والاطقم الإدارية لهذه المؤسسات. وقد تم تقاسمها مع المعنيين للاستفادة من معطياتها.
أما بالنسبة لغياب الأدوات المدرسية، فكان نفسا آخر لروح التضامن. حيث اقترحنا مبادرات داخل المؤسسات تتبعت خلالها تلاميذ وهم يتقاسمون أقلامهم عن طيب خاطر، ومديرين يفتحون المخازن بحثا عن فائض يتم به سد الخصاص.. لقد كان المشهد درسا عمليا في المواطنة قبل أن يكون درسا في القراءة أو الرياضيات. كما تم الاتفاق مع الأساتذة على تقديم مرافقة نفسية غير معلنة، تتمثل في كلمة طيبة ونظرة تشجيع وابتسامة تعيد إلى هؤلاء التلاميذ شعورهم بالانتماء.
في مشهد آخر؛ لمحت في عيون التلاميذ فضول الفراشات الباحثة عن النور، إذ جلسوا على مقاعد ليست مقاعدهم، لكنهم سرعان ما ألفوها. جلسوا على مقاعد جديدة بآمال متجددة. وتعلموا أن المدرسة حين تتقاسم مقاعدها إنما تتقاسم الأمل. وتحول السؤال أين سندرس؟ إلى … متى يبدأ الدرس؟
هكذا تحول النزوح من نهاية إلى بداية، ومن انقطاع الى استمرارية، ومن محنة إلى منحة. هذا النزوح الذي كان فرصة أظهرت المعدن البلوري والاصل الذهبي للمتطوعين في مدينة طنجة، حيث زادت درجة الايمان بأن التعليم رحلة لا تتوقف عند أول موجة بل تمضي ثابتة ما دام في الوطن طفل ينتظر أن تفتح له باب المدرسة…

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading