
– ذ محمد الشدادي :
لم تكن فيضانات القصر الكبير مجرد كارثة طبيعية أفرغت المدينة من ساكنتها حفاظا على الأرواح، بل كانت اختبارا حقيقيا لقيم التضامن والرحمة.
برز في هذه الفيضانات مشهد إنساني نادر يستحق التوقف عنده: عناصر الأمن الوطني والسلطة المحلية وهم يطعمون القطط والكلاب التي تركت في الشوارع، ليؤكدوا أن الرحمة لا تتجزأ، وأن الإنسانية تشمل الإنسان والحيوان معا.
في صباح اليوم، وبينما كانت المدينة شبه خالية من سكانها، شوهد رجال الأمن الوطني وبعض رجال السلطة وهم يحملون الطعام ويتوجهون نحو الأزقة والشوارع التي غمرتها المياه. لم تكن مهمتهم هذه المرة مرتبطة بحماية الممتلكات أو تنظيم المرور، بل كانت مهمة إنسانية بامتياز: إنقاذ القطط والكلاب التي تركت وحيدة وسط الفيضان، وتزويدها بالغذاء حتى لا تهلك جوعا أو عطشا.
هذا المشهد أظهر أن عناصر الأمن الوطني لم ينسوا أن هذه الكائنات جزء من نسيج المدينة، وأنها تستحق العناية والرحمة في وقت الشدة.
فهو مشهد بعده الإنساني والرمزي الرحمة الشاملة لجميع المخلوقات، فمثل هذه المبادرة أكدت أن قيم التضامن لا تقتصر على البشر، بل تمتد لتشمل الحيوانات التي تعيش بيننا.
ووسط الصمت الذي خيم على المدينة، كان صوت خطوات رجال الأمن وهم يوزعون الطعام بمثابة رسالة أن الحياة ما زالت مستمرة.
وقد وصف أحد الصحفيين هذه الجهود بأنها أشبه بـ”قوارب نوح عصرية”، حيث لم تحمل الإمدادات للبشر فقط، بل شملت الحيوانات أيضا، لتؤكد أن الرحمة لا تعرف حدودا.
إن نشر صور هذه الأعمال على المنصات الاجتماعية أثار إعجابا واسعا، وشجع الكثيرين على التفكير في أهمية إدماج خطط إنقاذ الحيوانات ضمن بروتوكولات الطوارئ الرسمية. كما سيدفع البعض إلى التطوع أو التبرع لدعم هذه المبادرات، إدراكا منهم أن الرحمة مسؤولية جماعية.
وأخيرا نقول إن فيضانات القصر الكبير محنة قاسية، لكنها أظهرت أجمل ما في الإنسان من قيم. مبادرة عناصر الأمن الوطني، رجال السلطة الوقاية المدنية، قوات الجيش، الدرك الملكي، القوات المساعدة وبعض المواطنين في إنقاد و إطعام القطط والكلاب ليست مجرد عمل عابر، بل هي درس في الإنسانية، ورسالة أن الرحمة لا تضيع حتى وسط الأزمات. إنها صورة مشرقة تجعلنا نؤمن أن التضامن المغربي الأصيل قادر على تحويل المحن إلى منارات أمل، وأن صوت الرحمة سيظل حاضرا، سواء في المآذن التي تشتاق الأذان، أو في الشوارع التي احتضنت القطط والكلاب الجائعة.