مدينة خرجت من نفسها قصة قصيرة ـ

7 فبراير 2026
Oplus_131072

ذ : أحمد العبودي

حين أُعلن الإفراغ، كانت زوجة مصطفى إلى جانبه في السيارة. لم تكن تبكي، ولم تكن تتكلم كثيرًا؛ كانت تنظر إلى الطريق كما لو أنه امتداد لما يحدث في المدينة التي تركتها خلفهما تُفرَّغ دفعة واحدة: البيوت تُغلق على عجل، الأزقة تُقفل في وجوه سكانها، والسلطة المحلية، مدعومة بالجيش وقوات الأمن والإدارة العمومية، تأمر الجميع بالمغادرة دون شرحٍ طويل. فالخطر، كما قيل، لا ينتظر التفاصيل.
بعد ساعات قليلة، أُغلقت كل مداخل المدينة ومخارجها. لم يبقَ فيها سوى حرسها، وبعض الحيوانات الأليفة التي تُركت مربوطة أو هائمة، تنتظر أصحابًا وعدوها بالرجوع. مدينة كاملة خرجت من نفسها، تاركة جسدها للحراسة، وروحها لبارئها.
قالت زوجته وهي تشدّ معطفها، كأن البرد داهمها فجأة:
ـ لم أكن أظن أنني سأغادر هكذا… دون أن ألتفت.
أجاب مصطفى وهو يراقب المرآة الخلفية، حيث تظهر المدينة وهي تنسحب ببطء:
ـ أحيانا يكون الالتفات هو الخطر.
خرجا مع الخارجين. بعضهم اتجه نحو المرتفعات القريبة، بعضهم ركب حافلات الإيواء، وآخرون ـ مثلهم ـ اختاروا المغادرة بعيدا، نحو أقصى شمال البلاد.
كانت المدينة تتلاشى خلفهم، والمسافة تتسع شيئا فشيئا ، كأن الفراغ يتهيأ لابتلاعها. شعر مصطفى، وهو يقود سيارته، أن شيئا يُنتزع من داخله، لا يُرى ولا يُسمّى، لكنه يترك إحساسا حادًّا.
بنبرة حسيرة، وبعد صمت طويل قالت الزوجة:
ـ تركنا كل شيء تقريبا.
رد عليها زوجها، محاولًا أن يُقنع نفسه قبل أن يُقنعها:
ـ تركناه مؤقتا، والاحتياط لا يعني الوداع.
على الطريق نحو وجهتهما، كانت الأخبار تتلاحق، كأنها تطاردهم: أحياء أُفرغت بالكامل، شوارع خالية، ليل يشبه الموت حتى في الأماكن التي لم تصلها المياه ، تعزيزات أمنية من كل الأنواع، ومؤونة قيل إنها تكفي السكان شهرا كاملا. كل ذلك كان يُقال بنبرة تنظيم وتطمين، لكن وقعه في النفس كان شبيها بنذير نهاية محتملة.
هزّت رأسها وقالت:
ـ هذا الهلع… كأنه يوحي بأن المدينة ستفنى.
ـ نعم ، الإيحاء أخطر من الحقيقة أحيانا.
وصلا إلى المدينة الشمالية مساء. هناك، كان البحر أقرب، وصخبه أوضح، كأن الطبيعة اليوم كلها قررت أن ترفع أصواتها دفعة واحدة.
جلسا في مكان مرتفع، والهواتف بين أيديهما لا تهدأ. أخبار عن أمطار لا تنقطع، عن احتمال تفريغ حمولة السد دفعة واحدة، عن مدٍّ بحريٍّ يضغط على مجرى النهر…
قالت وهي تقرأ خبرا، بصوت امتزج فيه الخوف بعدم التصديق:
ـ يقولون إن الوادي يرفض مياهه…يعيدها القهقرى.
ـ حين تنسّق السماء مع البحر، يصبح الوادي ساحة صراع… والمدينة رهينة تنتظر النتيجة.
جل الناس أياديهم على قلوبهم. وهناك، بعيدا عن المدينة ، كان الخوف أنقى، لأنه بلا حركة مجسدة، ترقّب خالص، انتظار بلا فعل.
شعرت الزوجة بأن الغياب أثقل من الحضور، وأن المدينة، وهي مغلقة، أصبحت أقرب إلى القلب مما كانت عليه وهي مأهولة.
قالت بصوت خافت متردد:
ـ هل سيغرق كل شيء؟
تردد مصطفى لحظة، ثم أجاب:
ـ لا… لكن كل شيء سيتغيّر، وهذا ما يخيف.
تابعا الأخبار من كل مصادرها، الرسمية منها والشعبية؛ بين صورةٍ تُطمئن وكلمةٍ تُقلق وتصريح مبهم وبلاغ متأخر… المدينة لم تغرق بعد، لكنها كانت معلّقة بين ماءٍ يزحف ببطء، واستعداداتٍ توحي بالمجهول. مدينة مُفرغة كي تُحفظ، ومهجورة كي تبقى.
نظر مصطفى إلى زوجته، فرأى في عينيها شوقا مبكرا، كأن الغياب طال أكثر مما ينبغي، وقال واثقا وثوق الفلسطيني بالعودة إلى الأرض:
ـ سنعود يوما.
ـ متى؟
ـ حين يعقد الماء اتفاقية سلم مع نفسه… أو حين نكتشف أن المدن لا تُنقذ إلا بأهلها.
في تلك الليلة، باتت المدينة بعيدة، لكن حضورها كان ثقيلا كصخر يجثم على الصدر. لم تكن في المكان، بل في الأخبار، في الشاشات، في الصمت الذي يلي كل كلام. مدينة أُغلقت على أمل، وخرج أهلها منها وهم يحملونها معهم، كجرحٍ مفتوح في أجسادهم يرفض أن يندمل.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading