مدينتي حين حاصرها الماء… فحرسها الدعاء

6 فبراير 2026

محمد البدوي
ليلة الجمعة 17 شعبان 1447هـ

بعد يوم من أيام الله، وبعد مئات المكالمات وآلاف الرسائل القصيرة التي انهالت عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، كانت الأسئلة تتوالى عن أحوال مدينتي، قرة عيني ومهجة الفؤاد، التي خرجت منها بجسدي وتركت روحي ترفرف في سمائها بلا سبيل للغياب. تركت قلبي بين أزقتها وشوارعها، وتركت تاريخي وجغرافيتي، وتركت نفسي هناك جملة وتفصيلًا، ثم رحلت إلى هنا حيث المدد الإلهي والفتح الرباني في أوقات الشدة والابتلاء.
قصدت أرض الصالحين الراحلين، وتسربلت بسيدة السادات، ألتمس الدعاء والسكينة، وهي في شدة المرض والبلاء تمنح من يقصدها طمأنينة لا تُشترى.
قصدت سيدتي وأمي، وكلما اشتد بي الخطب انحنيت بين يديها، تمسح دمعتي وتشدد من أزري، وتواسيني في مصاب مدينتي. لسانها لا يفتر عن الدعاء، وقلبها حاضر مع الله، تعيش معي تفاصيل الأحداث ساعة بساعة ولحظة بلحظة، تنصت إلي وأنا أرد على الأحباب والأصحاب، أخبرهم بكل ما استجد، أوازن بين الواقع والمأمول، أصف الحقيقة كما هي، وأترك باب الرجاء مواربًا، لعل البشرى تجد طريقها إلى القلوب.
أحاول اليوم أن أتغافل عن المشهد القاسي، عن الواقع الصعب والكارثي الذي ألم بمدينتي، حتى غدت كأنها مدينة أشباح. لا يُسمع في أزقتها إلا همس الماء وهو يمر بين الفينة والأخرى على جنبات البيوت والشوارع، كأنه يربت عليها ويهمس بوعد خفي ألا يكون أذى. وكأن الماء أقسم ألا يغدر، وكأن دعاء الأشعث الأغبر قد ارتفع فاعترض مسار القضاء.
وكأن سد وادي المخازن تلقى أوامر من علياء السماء، وإشارات لا تُرى بأن يتوقف، فهنا مدينة لها عند الله شأن، وهنا بيوت تحفها العناية. وكأن عصا نبي الله موسى عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة والسلام قد ارتفعت بين السد والمدينة فاصطفت بين الماء والبيوت، ونُفذت أوامر السماء وتعطلت أسباب الأرض. وكأن امتلاء السد مهما بلغ ومهما تضاعف فلن يضر، بإذن الله، مدينةً حفظها الله في حرزه.
إنها مدينة القصر الكبير، مدينة الجهاد والشهداء ومعركة وادي المخازن ومدينة الذكر والقرآن، كأنها ركبت سفينة نوح فنجت ومضت في طمأنينة. وسرح بي الخيال فقلت: مدينة يسكنها آلاف الفقهاء والحفّاظ، هؤلاء هم أهل الله وخاصته كما فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلين من الناس»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته».(دكره الألباني في صحيح الترغيب).
فأيقنت أن مدينتي محفوظة، تحفها ملائكة عظام، تبسط أجنحتها حولها وتدفع عنها كل سوء، وتردد في جنباتها قول الحق سبحانه :
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾(سورةهود، الآية 44) .
فتأمين المدينة وحمايتها بإذن الله واضح في هذه الآية المباركة.
وتذكرت أن الله جبّار السماوات والأرض وخالق الماء هو وحده القادر على أن ينزع منه خاصية الإغراق، كما نزع من النار خاصية الإحراق حين قال:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.(سورة الأنبياء الآية69).
فالماء لا يغرق كما النار لا تحرق، وحتى السكين لا تذبح إلا بإذن الله.
وأنا أتأمل في عظمة الباري وقدرته، بدا عليّ الوهن وتسلّل الخوف إلى قلبي، وأجلس منزوٍ قرب نافذة أصغي إلى زخات مطر لا تهدأ. قلت وأنا الضعيف، كل قطرة تنزل أحسبها خطرًا، ولأول مرة في حياتي أدعو أن يتوقف المطر، وأشعر بالخوف من الماء. ثم أتوجه نحو أمي، فأجدها قد خلدت إلى النعاس، أمسح على رأسها برفق وأطبع فوقه قبلة، أستمد منها القوة وأستودعها خوفي.
وهنا، في غمرة هذا القلق الإنساني، أدرك أن اليقين بالله هو السور الأخير حين تتداعى الأسوار، وأن الدعوات الصادقة أقوى من كل سد وأصلب من كل خوف. قد يحاصرنا الماء، وقد تضيق بنا الأسباب، لكن رحمة الله أوسع من كل خطر، وأسبق من كل بلاء، وأقرب من كل قلب منكسر.
مدينتي اليوم ليست مجرد جغرافيا يتهددها الفيضان، بل معنى يسكن الوجدان، وتاريخ لا يغرق، ودعاء مرفوع لا يُرد. وما دامت في هذه الأرض أم ترفع كفيها إلى السماء وقلوب معلقة بكتاب الله وأرواح تعرف طريق السجود، فإن الماء سيقف حيث أراد الله له أن يقف، وسيُكتب للمدينة أن تنجو كما نجا الصالحون من قبل.
ذلك يقين لا يبدده المطر، ولا تُغرقه السيول، ولا تنال منه لحظات الضعف البشري؛ يقين يقول لنا في هدوء الإيمان:
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[يوسف: 64]

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading