يوميات محامي ( 14)

16 يناير 2026


بقلم : ذ. ادريس حيدر

قال ذات يوم ، ملك فرنسا :” لويس الرابع عشر :
” لو لم أكن ملكا لفرنسا ، لوددتُ أن أكون محاميا ”

عرس المثليين و محاكمتهم :

في شهر ” نونبر ” من سنة : 2007 ، انتشر خبر الحفل الذي أقيم بمدينة القصر الكبير ، و الذي كان عبارة عن عرس للمثليين .
و على إثر هذا الحدث الغير المسبوق في مدينة صغيرة و محافظة ، تحركت الجهات المعنية و اعتقلت : 6 أشخاص على خلفية ذلك الحفل الإباحي و العلني و الذي حضره عشرات الأشخاص من شمال المغرب .
و عقب ذلك خرجت مظاهرات عارمة و انطلقت احتجاجات واسعة ، جابت شوارع المدينة ، مطالبة بوضع حد لهذه الظواهر الغريبة على مجتمع مسلم متشبث بقيمه ، و إلحاق أقصى العقوبات بأصحابها .
و وقعت مزايدات سياسية و تصعيدا كبيرا من اتجاهات سياسية مختلفة و خاصة ذات المرجعية الإسلامية .
و بناء على هذا الاحتقان ، أعطى السيد وكيل الملك تعليماته للشرطة القضائية من أجل القيام بالبحث و التحقيق و إجراء التحريات اللازمة ، حول هذه القضية ، التي أصبحت مثار جدل ، و حجز كل ما يمكن أن يفيد البحث ، مع اعتقال كل من ثبت تورطه في أفعال مخالفة للقانون و تقديمه معتقلا للنيابة العامة .
و كانت المدينة قد شهدت حفلا علنيا بزفاف شاذين على مدى يومين ، حضره عشرات من المثليين و السحاقيات من الجنسين .
و كان العروس الذي اعتقلته السلطات و المسمى :”ف” ، يمتهن بيع الخمور المهربة ، و معروف في المدينة بشذوذه الجنسي ، بينما ظل اسم العريس غير معروف .
و اضطرّ العروس :” ف” ، تسليم نفسه للشرطة بعد تعرضه للضرب من قبل سكان مدينة القصر الكبير ، المحتجين و المتظاهرين المُدِينِين لإقامة ذاك الحفل المائع .
و كانت ساكنة المدينة ، قد خرجت بكثافة في مظاهرات عفوية ، رددوا خلالها شعارات تستنكر احتضان مدينتهم لحفل زفاف شاذين بشكل علني و استفزازي .
و من بين الشعارات التي رُدِّدَت :
” أهل اللواط ، سيرو بحالكم ، القصر ما شي ديالكم .”
” مدينة العلماء ، ماشي مدينة اللواطا ”
و تجدر الإشارة إلى أن عشرات من الشاذين كانوا قد شاركوا في ذلك الحفل ، الذي شهد زفافا مغربيا بكل طقوسه و عاداته المعروفة .
و هكذا بدأ اليوم الأول بمراسيم ” الهدية ” و التي كان يتقدمها ثور أسود ، لُفَّت قوائمه في ثوب أخضر ، و قُدِّمت ” الهدية” مصحوبة بالزغاريد و أغاني يرددها الجوق المصاحب .
و ارتدت العروس زيا نسائياً أخضر هو الآخر ، و حُزِمَ وسطه بحزام ( مضمة) ذهبية ، فيما وُضِعَ على رأسه منديل أبيض اللون .
و قالت إحدى النساء التي حضرت الحفل ، أن العروس ، كان مصحوبا بأفراد عائلته ، و تزين بالحلي ، و وُضِعَ له ” الماكياج” و ارتدى قفطانا أخضر اللون ، و بعد إدخال ” الثور” إلى منزله ، قام المساعدون بذبحه.
و على إيقاع الهتافات ، انبطح الدعو :” ف” أرضاً و ملأ كأساً من دم الثور و شربه كله .
و في اليوم الموالي ، حضرت فرقة موسيقية و انطلقت في عزفها أغاني مغربية مختلفة ، خاصة بمثل هذه المناسبات .
بدأ المدعون يتوافدون على الحفل ، فيما العروس ، كان يرتدي قفطانا أصفر اللون و منديلا أبيضا غطى به رأسه ، و كان يعتلي منصة ” البرزة”.
أُحيل المثليون على السيد وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقصر الكبير ، الذي أحالهم بدوره على جلسات المحكمة في حالة اعتقال .
و بعد تداول القضية أمامها أصدرت حكمها الذي قضى بمعاقبتهم و الحكم عليهم بفترات تتراوح بين :4و 6 أشهر .
و استأنف المدانون الحكم لدى محكمة الاستئناف بطنجة ، حيث أيدت الحكم الحكم الابتدائي في حق 6 مدانين بتهمة المثلية الجنسية و هم الذين ظهروا في ” الفيديو” الذي نقل بعض وقائع هذا العرس المثلي ، و كان قد انتشر في كل ربوع الوطن كالنار في الهشيم .
و تراوحت الأحكام النهائية التي صدرت بتاريخ : 15|01|2008 ، بين السجن 10 أشهر في حق منظم العرس ، بينما حصل المتهمون الخمسة المُتَبقَّوْنَ على أحكام مخففة تتراوح بين السجن لشهرين أو 4 أشهر .
و كانت هذه الاحتفالية الغير عادية قد غطت النقاشات الرائجة بالمغرب بين مختلف التوجهات السياسية و الفكرية ، كما انبرت الأقلام في تحليل الظاهرة .
و لعل أهم نقاش أو تدافع حصل أنذاك كان بين النشطاء ذوو المرجعية الإسلامية الذين أكدوا أن هذا الحدث المشؤوم يعني قتل القيم و تراجع الأخلاق العامة داخل المجتمع ، و ضرب المقومات الجوهرية و الأساسية التي ينهض عليها المجتمع المغربي المسلم .و بالمقابل كان الليبراليون يعتبرون أن موقف التيارات الإسلامية من هذه الظواهر هو تضييق على الحريات الشخصية و العودة بالمجتمع الحداثي إلى الوراء .
و هذا النقاش ظل محتدا و أحيانا عنيفا .
و من مخلفات ذلك الحدث ، هو أن السادة نواب وكيل الملك بالمحكمة الإبتدائية بالقصر الكبير تقدموا بشكاية إلى الجهات المختصة ضد الصحافي :” رشيد نيني” من أجل التشهير بهم في عموده اليومي لحريدته ، حيث زعم أن هذا الحفل كان بمباركتهم بل و بحضورهم ذلك الحفل شخصيا .
و قد عقدت بناء على ذلك محاكمة الصحفي المذكور ، و قضت المحكمة الابتدائية بالرباط بإدانته و أدائه تعويضا ماليا للجهة المشتكية .
و يجدر التذكير ، إلى أنه ونظرا للاحتقان الكبير الذي شهدته المدينة ، نتيجة المظاهرات و الاحتجاجات التي كانت تعم المدينة يوميا طيلة مدة غير يسيرة من الزمن ، و تبعا للنقاش الصاخب الذي احتل منتدياتها و عَمَّ كل لَمَاتِ الأسر مع ما رافقها من ضغط رهيب ، تخلف محامو المدينة عن الدفاع عن هؤلاء المثليين .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading