
– ذ : أحمد العبودي
أجدني ممزقاً بين مكانين، لا يستقر بي الشعور في أحدهما. حين أكون في بلدتي، يثقلني الكمد؛ أرى ما يؤلمني من فوضى وتقصير واختلالات، فأشعر أن أشياء كثيرة كان يمكن أن تكون أجمل وأكثر انتظاماً، لكن…!
وحين أمضي بعض أيامي هنا، حيث يبدو النظام جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لا أجد راحة القلب كاملة؛ إذ سرعان ما تتسلل إليّ الحسرة على وطن لم يستطع، بعدُ، أن يبلغ ما أراه هنا من انتظام تلقائي فائق.
هناك أتألم مما ينقص كثيراً، وأتحسر على ما كان ينبغي أن يكون. وبين الألم والحسرة أقف، لا أستطيع أن أقسو على وطني، ولا أن أتجاهل ما يعلّمني إياه واقع الآخرين. كأنني أحمل بلدين في داخلي؛ أحدهما يسكن القلب، والآخر يستوقف العقل، وبينهما تتوق نفسي إلى مكان يجتمع فيه الانتماء بالطمأنينة، وحب الوطن بالرضا عن حاله.
حتى لعبة الانتخابات بدت أسوأ حظاً، وكشفت عن مفارقة لا تزال ترهقني؛ فما يراه الناس هنا سبيلاً إلى الارتقاء بالأوضاع الاجتماعية وتحسين شروط الحياة، هو بالذات ما يفقد، في بلدي، ثقة كثير من المواطنين ويجهض أحلامهم. وهنا تتعمق المفارقة في داخلي أكثر: ما يفترض أن يكون أداةً لإرادة الناس وتغيير واقعهم، قد يتحول، حين تضعف الثقة به، إلى مصدر آخر للحسرة.