السياسة في مجتمع جاهل: حين تصبح العداوة أسهل من السلام.

29 سبتمبر 2026

لبيب المسعدي
في مجتمع يجهل معنى السياسة، لا تكون السياسة إدارة للاختلاف، بل شرارة في كومة قش. لا يسأل الناس: ما المشروع؟ بل: مع مم أنت؟ فإن ترددت، أعلنوك عدوا. وإن انتميت، صار نصف المدينة خصما، والنصف الآخر حليفا مؤقتا، ليس لأنك أخطأت، بل لأنك وضعت في خانة. والجاهل لا يحتاج إلى سبب ليخاصمك، يكفي وشاية، أو صورة، أو تصريح مبتور، أو حتى سلام لم تلقه على من يجب أن تسلم عليه.
في مجتمع جاهل، السياسة لا تفهم، بل تشرب مثل عادة سيئة. يتعلم الناس الشعارات قبل القراءة، والعداوة قبل الحجة، والتصنيف قبل المعرفة. قد يبيعك الخباز خبزا باردا لأنك صوت لغير من صوت له. وصاحب المقهى يضع كرسيك في الشمس أو في الظل حسب نتائج الانتخابات. وحتى في الأعراس تقسم القاعة: قسم للتحية الحارة، وقسم للتجاهل الاستراتيجي. وفي العزاء لا يسأل عن الفقيد، بل عن موقفه: كان معنا أم معهم؟ حتى الموت لم يسلم من الانتخابات.
ووسائل التواصل مرآة هذا الجهل، كل منشور محاكمة، وكل صورة عائلية او شبه عائلية تفتش بحثا عن رمز أو فاعل سياسي في الإطار. من يكتب رأيا مختلفا يُعلَق على صليب رقمي، ومن يصمت يتهم بالتواطؤ. حتى صباح الخير تصبح جملة مشبوهة،،لماذا الآن؟ ولأي جهة؟ وهكذا تتحول العلاقات الاجتماعية إلى خريطة عداوات، لا تحتاج إلى سبب، بل إلى مزاج.
الجاهل سياسيا لا يخاصم لأنك خالفته، بل لأنك مختلف عنه. لا يرى فيك إنسانا له رأي، بل لونا من الألوان. واللون عنده جريمة لا تغتفر. لذلك العداوة في مجتمع جاهل سهلة لا تحتاج إلى دليل، ولا إلى حجة، ولا إلى تاريخ. تكفي همسة في أذن، أو صورة في هاتف، أو مجلس لم تحضره، أو مجلس حضرته. يكفي أن تكون هناك، في اللحظة الخطأ، مع الشخص الخطأ، في مدينة تعبد الشائعات وتكره الأسئلة.
ثم يظهر صنف أخطر: اللا منتمون. لا هم مع هذا ولا ذاك، يحلفون على ذلك في كل مجلس، ثم ترى أسماءهم في قوائم الجميع. يحضرون أعراس الحزبين، ويقفون دقيقة صمت على ضحايا الطرفين، ثم ينقلون كلام هذا إلى ذاك، وكلام ذاك إلى هذا، ويقبضون الثمن مرّتين. ليس كل لا منتم منافقا، لكن في مجتمع جاهل يصبح اللانتماء مهنة. حياده ليس موقفا، بل مزاد. من يدفع أكثر يجد له لسانا، ومن يدفع أقل يجد له صمتا، وإن لم يدفع أحد بقي فوق الصراعات، يوزع الابتسامات كأنها منح، ويسحبها كأنها ديون. يأتي إليك باسم الصداقة، يشرب قهوتك، يسمع سرك، ثم يخرج ليقول: أنا لا أنتمي، لكن سمعت…. فيزرع الفتنة، ويعود ليجلس بين الناس ضحية لسوء الفهم.
هؤلاء أخطر من الخصم. الخصم تعرف موقفه فتستعد له. أما المنافق اللانتمي فيحمل خنجرين، واحدا لكل جهة، ويبتسم لكما في الوقت نفسه. يبني الثقة كي يخونها، ويصنع السلام كي يبيعه. وفي مجتمع يجهل السياسة، يجد في الجهل أرضا خصبة: لا أحد يقرأ، والكل يصدق. لا أحد يسأل، والكل يحكم. لا أحد يعرف البرنامج، والكل يعرف من مع من.
المشكلة ليست في السياسة وحدها، بل في سياسة يمارسها مجتمع لا يقرأ، ولا يسأل، ولا يحتمل الاختلاف. سياسة بلا معرفة تتحول إلى عصبية، وعصبية بلا وعي تتحول إلى عداوة. وهكذا تعيش المدينة .. لا تبني شيئا. بل تدير معركة. والغريب أننا نسميها حياة اجتماعية. وفي مجتمع جاهل، أسهل ما يمكن صنعه هو عدو، وأصعب ما يمكن بناؤه هو سلام.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading