
بقلم: محمد التطوانـــــي
ما الأسطورة؟
لو سألنا الفيلسوف وعالم الأنثروبولوجيا الكبير كلود ليفي ستروس، لأجابنا بأن الأسطورة ليست خرافة ساذجة ولا كذبا يروى، بل هي منطق آخر، منطق بري له صرامته الخاصة، به يحاول الإنسان البدائي أن ينظم الفوضى التي تحيط به ويفسر العالم. فإذا كان التاريخ هو ما تكتبه الوثائق والأقلام بمداد رسمي، فالأسطورة، كما يراها ليفي ستروس، هي ما يكتبه العقل الجمعي بمداد الخيال ليجيب عن أسئلة لا يجيب عنها التاريخ، إنها طريقة الشعوب لترويض المكان الغامض وإعطائه معنى.
ولا يوجد في المغرب مكان أصلح لولادة هذا المنطق الأسطوري من الحمام القديم، حيث يلتقي الماء بالنار، والظلمة بالبخار، والواقع بالخيال.
وفي قلب مدينة القصر الكبير، بحي باب الواد العتيق، وعلى مقربة من الجامع الكبير، يربض معلم تاريخي شامخ يشهد على قرون مضت، إنه حمة سيدي ميمون، التي تعد من أكبر حمامات المدينة وأعرقها، ومن المرجح جدا أن بالحمة شيدت أو على الأقل رممت في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل، أي حوالي 300 سنة.
كانت تضم ما بين ست إلى ثمان غرف، لا تزال تحتفظ في جدرانها بآثار بنايات أقدم، أعمدة حجرية وسراديب غائرة. وقد وثق قدمها عالم الاجتماع الفرنسي ميشو بيلير في بداية القرن الماضي بقوله إنها حمام قديم جدا تعود ملكيته لأحباس الجامع الكبير، ويستأجر بالمزاد العلني في كل سنة في ذكرى عاشوراء.
لكن قيمة هذه الحمة لا تكمن في حجارتها فقط، بل في المكانة التي تحظى بها في الذاكرة الشعبية، فالناس لا يرونها مجرد ماء وبخار، بل يرونها بيتا عامرا بعمار خفيين، فهي ليست زاوية لولي صالح موثق تاريخيا، بل هي مقامات رمزية لملوك الجن المعروفة في الثقافة الكناوية والجيلالية، حتى صارت حكمة القدامى تتردد على كل لسان: “ما تدخلش للحمام بلا ما تسلم على مواليه”، المقصور فيه سيدي ميمون وسيدي موسى وصحابو.
تقول المعتقدات المحلية إن سيد هذا المكان هو:
” سيدي ميمون”، الذي يلبس الأبيض ويحب النقاء والطهارة فاتخذ من الحمام مسكنا له، ويشاركه “سيدي موسى” ملك الماء الذي يسكن البحور والوديان والحمامات والعيون، لونه أزرق وبخوره الجاوي الأبيض واللبان، ويحضر بقوة في جدبة كناوة وجيلالة.
وهناك “لالة ميرا”، الملكة الأنثى عروسة الجن الجميلة البيضاء التي تلبس قفطان أبيض شعرها طويل أسود مزينة بالحلي، تحب الفرح والنشاط والعطور والزينة والمرايا والشموع البيضاء وتقصدها النساء لطلب الزواج والجمال والقبول وفك العكس.
” لالة عيشة” وهي امرأة جميلة لها أرجل معز تسكن المرج تعيش بجانب الوديان والأماكن الخضراء الرطبة ولباسها أزرق بخورها قوي الفاسوخ وجاوي الأسود.
ويكتمل المجلس “بشمهروش” قاضي الجن الذي يفصل في نزاعات الجن والإنس.
و”باش حموا” لملك الأسود الذي لباسه أحمر يطلب الذبح والدم ومعروف بقوته وبطشه.
وتبلغ هذه الطقوس ذروتها في ليلة الخميس التي هي ليلة الملوك السبع، وكذلك في يوم عاشوراء وشهر شعبان، حيث يتحول الحمام إلى محراب للذاكرة، توقد فيه الشموع، وتقدم أطباق الحناء والحليب والتمر والزهر، ويتصاعد دخان البخور تقربا لعمار المكان واستجلابا لرضاهم.
في النهاية، تظل حمة سيدي ميمون أكثر من مجرد بناية، إنها مرآة لروح القصر الكبير، مكان يغتسل فيه الجسد بالماء، وتغتسل فيه الروح بالحكاية، وسيبقى بخارها يحمل إلى الأبد أسرار من مروا من هنا ومن يعتقد الناس أنهم لا يزالون يسكنونها.