مكر الأيديولوجيا:

منذ ساعتين

د. عبد السلام دخان

تبلغ الأيديولوجيا أقصى درجات تأثيرها عندما تتحول من نسق في تفسير العالم إلى نسق في إنتاج شروط الفهم. ففي هذه اللحظة تتغير طبيعة القراءة، ويغدو السياق محكوما بأفق سابق على النص، فتتحرك المفاهيم داخل شبكة من التصورات الجاهزة التي تعيد ترتيبها وفق منطق التصنيف، وتوجهها نحو نتائج مرسومة سلفا. وتكشف التجربة الفكرية الحديثة أن الأفكار الكبرى تمتلك تاريخا يختلف عن تاريخ أصحابها، لأن المفاهيم تدخل، منذ لحظة تشكلها، في مسار طويل من التلقي وإعادة الفهم، وتواصل إنتاج دلالات جديدة كلما انفتحت على أفق ثقافي مغاير. عبر الحوار المتواصل بين النص وقرائه، ويغدو تاريخ التأثير جزءا من الحياة الداخلية للفكر، فتتحول القراءة إلى مشاركة في بناء الدلالة، ويتحول النص إلى فضاء مفتوح تتجدد داخله إمكانات التأويل مع كل جيل. ومن هذا المنظور يتحدد مكر الأيديولوجيا في قدرتها على إعادة توجيه هذا المسار، لأنها تعيد توزيع مركز الثقل داخل القراءة، فتمنح عناصر بعينها سلطة تفسيرية تتجاوز موقعها الطبيعي، بينما تنكمش الحركة المفهومية التي تمنح النص وحدته الداخلية. وعندئذ يفقد الفكر اتساعه، وتتراجع الأسئلة المؤسسة التي يحملها، ويغدو المجال الثقافي أكثر ميلاً إلى إعادة إنتاج التصنيفات من إنتاج المعرفة. إن المشروع الفكري يكتسب قيمته من خصوبة مفاهيمه، ومن الطاقة التي يحرر بها أسئلة جديدة، ومن الأفق الذي يفتحه أمام الإنسان لإعادة التفكير في العالم، وهي عناصر تمنح الفكر استمراريته، وتجعله قادرا على تجاوز لحظة نشأته والدخول في تاريخ إنساني أوسع.وتكمن أهمية هذه الإشكالية – في تقديري- في اتصالها بجوهر الثقافة نفسها، لأن الثقافة التي تمنح الأولوية للتأويل تظل قادرة على تجديد معارفها، وعلى إعادة بناء ذاكرتها في ضوء أسئلة متجددة، بينما تتجه الثقافة التي تهيمن عليها الأيديولوجيا إلى تثبيت الدلالة داخل أنساق مغلقة، فتتراجع فاعلية الفكر، وتضيق إمكانات الحوار، ويتحول الاختلاف إلى حدود فاصلة بين المواقف، عوض أن يغدو مجالا لتوسيع المعرفة. وبموجب ذلك ويغدو التأويل ممارسة معرفية تستعيد للمفاهيم استقلالها، وتكشف عن قدرتها على إنتاج آفاق جديدة للفهم، وتمنح الإنسان فرصة متجددة لإعادة اكتشاف ذاته والعالم من خلال السؤال، الذي يظل المجال الذي تتجدد داخله المعرفة، وتستعيد الثقافة حيويتها، ويتواصل الفكر بوصفه تجربة إنسانية مفتوحة على إمكانات لا تنفد. بيد أن قيمة المشروع الفكري تتحدد من الكيفية التي تتشكل بها مفاهيمه، لأن المفهوم يمثل الوعاء الذي تحتفظ داخله التجربة الفكرية بأفقها المعرفي، ويمنحها القدرة على عبور الأزمنة والثقافات دون أن تفقد انتظامها الداخلي. فكل مفهوم كبير يحمل في بنيته تاريخا من الأسئلة، ويختزن طبقات متراكبة من الدلالات، ويستدعي، مع كل قراءة جديدة، إمكانات إضافية للفهم. اقترابا من تصور جيل دولوز في محاولته ربط تاريخ الفكر بتاريخ تحول المفاهيم، إذ تكشف مسارات المعرفة أن التحولات الكبرى بدأت مع إعادة بناء المفاهيم التي تنتظم داخلها رؤية الإنسان للعالم، فصار المفهوم نفسه حدثا معرفيا يغير طريقة إدراك الواقع، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن، واللغة، والوجود، والحقيقة. وتتعمق هذه الحركة مع اتساع المجال التأويلي، لأن القراءة تضيف إلى المفهوم بعدا جديدا كلما انخرط في سياق ثقافي مختلف. فالعالم الذي يفتحه النص يتشكل عبر تفاعل المفهوم مع خبرة القارئ، وعبر الحوار الذي يقيمه الفكر مع تحولات الثقافة، فتغدو المفاهيم مراكز إشعاع معرفي، تتسع مع كل تأويل، وتكتسب حضورها من قدرتها على احتضان أسئلة متجددة، ومن قابليتها لإعادة تنظيم التجربة الإنسانية داخل أفق أكثر رحابة. وفي هذا المستوى يتمظهر مكر الأيديولوجيا في محاولتها تجميد هذه الحركة، لأن تثبيت الدلالة داخل قراءة واحدة يفضي إلى تعطيل الطاقة التي يحملها المفهوم. فالدلالة التي تفقد تعددها تفقد في الوقت نفسه قدرتها على إنتاج المعرفة، ويغدو المفهوم اسما ثابتا بعد أن كان فعلا متجددا للفهم. وتترتب عن هذا التحول إعادة تشكيل الوعي الثقافي على أساس اليقين، فتضعف فاعلية السؤال، ويضيق المجال الذي تتحرك داخله الأفكار، وتغيب العلاقة الخلاقة بين النص والقارئ، وهي العلاقة التي تمنح الفكر استمراره، وتجعل كل قراءة إضافة إلى تاريخ المفهوم، وإسهاما في توسيع أفقه الدلالي. وربما كانت حماية المفهوم حماية لقدرة الثقافة على تجديد ذاتها، لأن المفاهيم تمثل الذاكرة العميقة للفكر، وتحمل داخلها مسارا طويلا من التجارب والأسئلة والتأويلات. وكل مشروع فكري يواصل حضوره بفضل هذه الذاكرة التي تمنحه قابلية مستمرة للتجدد، وتدفعه إلى الانخراط في أسئلة الإنسان المتغيرة، فيكتسب الفكر حيويته من حركة مفاهيمه، ويكتسب التأويل قيمته من توسيع دائرة الفهم، سعيا إلى إعادة اكتشاف العالم والإنسان.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading