
رئيس الجمعية ج. محمد أخريف
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن وعميق الأسى، تلقت جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير نبأ وفاة أحد مؤسسيها وكاتبها العام السابق لعدة سنوات، الشاعر والأديب الشريف مصطفى الطريبق الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الأحد 05/07/ 2026 ودفن في اليوم الموالي بالزاوية البدية بعد صلاة العصر بها. وقد تم نقله إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة حضرها أفراد أسرته وأقاربه، وثلة من زملائه في الأسرة التربوية، ورفاقه في الحقل الثقافي والجمعوي، وفعاليات مدنية وإعلامية، وجموع غفيرة من أبناء المدينة ومحبيه، الذين شيعوه إلى مثواه الأخير بالدعاء والترحم، في مشهد جسد ما كان يحظى به الراحل من تقدير ومحبة ومكانة رفيعة في قلوب الجميع، فقدناه بعد مسيرة زاخرة بالعطاء كرسها لخدمة التربية والتعليم، والثقافة والفكر، والعمل الجمعوي، والدفاع عن القيم الوطنية والقومية والإنسانية
وقد اجتمعت في شخصيته خصال المربي، والمثقف، والشاعر، والباحث، والمناضل، والإنسان المتواضع، فكان واسع الثقافة، كريم الأخلاق، صادق المعاملة، محبا للناس، مؤمنا بالحوار، حريصا على لم الشمل، ومتفانيا في خدمة مدينته ومؤسساتها الثقافية. لذلك استحق أن يحظى باحترام كل من عرفه، وأن يترك في النفوس أثرا لا يمحوه الزمن.
وخلال مراسم التشييع، ألقى رئيس جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير كلمة مؤثرة باسم الجمعية، استحضر فيها مسار الراحل المشرق، مؤكدا أن الجمعية لا تودع اليوم عضوا عاديا، وإنما تودع أحد مؤسسيها الأوفياء، وواحدا من أبرز رجالاتها الذين صنعوا تاريخها، وأسهموا في استمرارها وإشعاعها. كما نوه بما تحلى به الفقيد من إخلاص، ونزاهة، واستقامة، وسعة في المعرفة، ووفاء للمبادئ، وتفان في خدمة الثقافة والعمل الجمعوي، مؤكدا أن اسمه سيظل محفورا في ذاكرة الجمعية، وأن إرثه الفكري والأدبي والإنساني سيبقى نبراسا للأجيال المقبلة.
ولم تفته الإشارة للأسرة التي ينتمي إليها المرحوم، وهي أسرة شريفة معروفة في منطقة الشمال خاصة “في القصر الكبير وتطوان والعرائش”، تلك الأسرة التي اشتهرت في مجالات الثقافة، الشعر، الأدب، النقد، والسينما وبرز فيها العديد من الأسماء وعلى رأسهم في القصر الكبير الأستاذ عبد السلام الطريبق وأخوه الشاعر حسن وأخوه عبد الرزاق والمرحوم مصطفى الطريبق.
تشأته ووظائفه
ولد الشاعر الشريف مصطفى الطريبق بمدينة القصر الكبير سنة 1944، والتحق في طفولته بكتاب الفقيه محمد الجباري، حيث قضى بضع سنوات في حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المرحوم أحمد الخباز الحرة،، ليلتحق بعد ذلك بالمدرسة الأهلية الحسنية بالقصر الكبير. ونظرا لفطنته اختير ضمن التلاميذ الذين التحقوا بالتعليم الثانوي قبل الوقت المناسب بسنة.، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، عين معلما مدرسة التوحيد. وخلال عمله بها التحق بالمركز التربوي الجهوي بمدينة القنيطرة التي تخرج منها برتبة أستاذ، ثم عين حارسا عاما، فمديرا بإعدادية علال بن عبد الله، وبعدها بإعدادية أبي المحاسن. وتميزت حياته بعدة مسارات منها:
مسارة الوطني في حزب الاستقلال،
ولم تنفصل مسيرته الثقافية عن التزامه الوطني والقومي، فقد ظل وفيا لقيم الحرية والعدالة والكرامة، منخرطا في الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي اعتبرها قضية حق وعدالة وكرامة إنسانية، انطلاقا من قناعته الراسخة بحق الشعوب في الحرية والسيادة وتقرير مصيرها. وكان المرحوم قد انخرط منذ نعومة أظافره في حزب الإستقلال مع أسرته، كما نشط في صفوف الاتحاد العام للشغالين، واختير مراسلا لجريدة العلم لسنوات عديدة، حيث عرف بقلمه السيال ونشاط الكبير.
تدبيره الإداري والتربوي
وكان الفقيد، واحدا من رجالات التربية والتعليم الذين حملوا رسالة المدرسة العمومية بكل إخلاص وتفان. فقد أفنى سنوات عمره في تعليم الناشئة وتكوين الأجيال، واضطلع بمسؤوليات تربوية وإدارية متعددة، أدى جميعها بكفاءة واقتدار، مؤمنا بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن يقدمه المربي لوطنه. وقد ترك في نفوس تلامذته وزملائه أثرا طيبا، لما عرف عنه من انضباط، وحسن خلق، وتواضع، وحكمة، وحرص دائم على نشر قيم العلم والمعرفة. وقدبرع في حل المشاكل سواء أثناء ممارسته للحراسة العالمة أو أثناء ممارسته للإدارة التربوية دون الرجوع إلى الإدارة اللإقليمية، وذلك بإيجاد حلول مناسبة مع التلاميذ وآبائهم وكذا مع الطاقم التربيي. كل ذلك كان بحكمة وحسن تصرف.
مساره الجمعوي:
كان الفقيد عضوا في عدة حمعيات، منها جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير التي برحيله فقدت واحدا من أعمدتها الراسخة، إذ كان، رحمه الله، عضوا مؤسسا، ساهم منذ البدايات في وضع اللبنات الأولى للجمعية، مؤمنا برسالتها في خدمة البحث التاريخي والاجتماعي وصون الذاكرة المحلية، ظل وفيا لهذا المشروع الثقافي طوال مسيرته. كما تحمل المسؤولية في مكتب الجمعية لأزيد من ثلاثة عقود، لم يدخر خلالها جهدا في خدمة أهدافها، والمساهمة في برامجها وأنشطتها، فكان مثالا للإخلاص ونكران الذات والعمل الثقافي الجاد.
ولم يكن الفقيد مجرد عضو في الجمعية، بل كان ذاكرة حية من ذاكرتها، وشاهدا على مختلف محطاتها، وحاضرا في تفاصيل تطورها، يسهم برأيه السديد، وخبرته الواسعة، وحكمته الهادئة، ويحرص على أن تظل الجمعية وفية لرسالتها في خدمة التراث والتاريخ والثقافة بمدينة القصر الكبير
إن رحيله لا يمثل خسارة لأسرته الكريمة وحدها، بل هو خسارة لجمعيتنا، وللساحة الثقافية بمدينة القصر الكبير، ولكل أصدقائه ومحبيه، ولجميع من واكبوا مسيرته الفكرية والإبداعية.
كما كان عضوا في عدة فرق وجمعيات منها:
فرقة أشبال المدرسية الأهلية الحسنية، وفرقة وادي المخازن للتمثيل المسرحي التابعة للشبيبة والرياضة في الستينات. وعضوا في جمعبة خدمة الثقافة التابعة للشبيبة والرياضة في الستينات. وغيرها من الجمعيات المتعددة.
مسار الأدبي والثقافي والشعري
لقد كان الراحل من رجالات القصر الكبير الأوفياء، وممن آمنوا بأن الثقافة مسؤولية ورسالة، فهو شاعر وأديب متميز، امتلك حسا إنسانيا مرهفا، وجعل من الكلمة الصادقة وسيلة للتعبير عن هموم الإنسان، وقضاياه المجتمعية، وقد شكل حضوره في المشهد الثقافي إضافة نوعية، من خلال مشاركاته في الندوات والأمسيات والملتقيات، وإسهاماته الأدبية التي عبرت عن شخصيتة كمثقف ملتزم، جمع بين جمال الإبداع وصدق الموقف.كما عرف بدماثة خلقه، وتواضعه، ونبل خصاله، فاستحق محبة كل من عرفه وتعامل معه. وللمرحوم كتب متعددة، منها “استرجاع مدينة العرائش على يد المولى اسماعيل ودواوين شعرية، منها ” سنابل وأعاصير” و” إعدام البراءة حول فلسطين ” و”ترانيم السجى ”
كان المرحوم من ظرفاء القصر الكبير
يمكن إدراج المرحوم ضمن فئة الظرفاء المعروفين في الأدب العربي خاصة أيام النخب العباسية، فقد اتسم المرحوم مثلهم بالذوق الرفيع، واللباقة، وسرعة البديهة، والميل إلى الدعابة واللطف. وكانت مجالس الأدب ومجالس الأفراح والخراجات إذا حضر فيها المرحوم يكون هو منشطها ومحركها بما حباه الله من مواهب. لهظا كان رحم الله يحظى بتقدير واحترام كل من عاشره وجالسه، نظرا لما اتسم به من أخلاق حسنة، وشمائل حميدة.
وبهذه المناسبة الأليمة، يتقدم كافة أعضاء الجمعية بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة لزوجته الكريمة وأبنائه البررة وإلى أسرته الكريمة وذويه، وإلى الأسرة الثقافية والأدبية، سائلين الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه من خدمات جليلة للثقافة والأدب والعمل الجمعوي، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.
((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)).البقرة 156. صدق الله العظيم.
رئيس الجمعية ج. محمد أخريف